«الشيربا».. رجال الظل خلف قمم قادة العالم
«الشيربا».. رجال الظل خلف قمم قادة العالم
#تقرير_صفاء_الليثي
«الشيربا».. رجال الظل خلف قمم قادة العالم
في الوقت الذي تتجه فيه أنظار العالم إلى قادة الدول وهم يتصافحون أمام الكاميرات في القمم الدولية، تجري في الخلفية مفاوضات طويلة لا يراها الجمهور، يقودها رجال يعرفون جيدًا كيف يمهّدون الطريق قبل أن يجلس الرئيس أو رئيس الحكومة إلى طاولة التفاوض.
إنهم «الشيربا»، رجال الظل في عالم الدبلوماسية الدولية، الذين ارتبط اسمهم بالقمم الكبرى، ليس لأنهم أصحاب القرار النهائي، ولكن لأنهم يعملون على تهيئة الظروف التي تجعل الوصول إلى هذا القرار ممكنًا.
وقد يبدو غريبًا أن يسافر رئيس دولة آلاف الأميال من أجل لقاء قد يستغرق أقل من ساعة، في عصر يمكن فيه إجراء اتصال آمن خلال ثوانٍ. لكن القصة الحقيقية لا تبدأ لحظة وصول الطائرة الرئاسية، ولا تنتهي عندما يغادر الزعيم قاعة الاجتماع؛ فغالبًا ما تكون تلك الساعة القصيرة هي الحلقة الأخيرة في سلسلة طويلة من الاجتماعات والمفاوضات والاتصالات السرية والعلنية.
من هم «الشيربا»؟
مصطلح The Sherpas يُستخدم في عدد من الأطر الدولية، وعلى رأسها مجموعة السبع ومجموعة العشرين، لوصف الممثلين الشخصيين لقادة الدول والحكومات الذين يتولون جانبًا أساسيًا من التحضير للقمم.
وقد يكون الشيربا من كبار الدبلوماسيين أو المسؤولين في الحكومات أو المستشارين المتخصصين في السياسة الخارجية والاقتصاد والقضايا الدولية، وتختلف طبيعة الدور من دولة إلى أخرى ومن إطار دولي إلى آخر.
وظيفتهم الأساسية أن يعملوا نيابة عن القائد في المرحلة التي تسبق القمة، فيناقشون جدول الأعمال، ويتفاوضون بشأن الملفات المطروحة، ويتواصلون مع نظرائهم، ويساعدون في إعداد البيانات والوثائق التي ستصدر عن اجتماع القادة.
وبذلك لا يصل الرئيس إلى القمة ليبدأ الحديث من نقطة الصفر، وإنما يصل في كثير من الأحيان بعد أن يكون فريقه قد قطع شوطًا كبيرًا في تحديد ما يمكن الاتفاق عليه وما يحتاج إلى قرار سياسي أعلى.
لماذا سُموا «الشيربا»؟
التسمية مستوحاة من شعب الشيربا في منطقة الهيمالايا، الذين ارتبط اسمهم تاريخيًا بإرشاد متسلقي الجبال ومساعدتهم في الوصول إلى القمم.
ومن هنا جاء التشبيه السياسي.
فكما يساعد الشيربا متسلقي الجبال في عبور الطرق الصعبة والوصول إلى القمة، يعمل الشيربا السياسي على تمهيد الطريق أمام القائد للوصول إلى «قمة» التفاوض.
هو لا يصعد بدلًا من القائد، لكنه يعرف الطريق، ويحدد العقبات، ويهيئ المسار، ويتعامل مع المشكلات قبل أن يصل صاحب القرار إلى القمة.
ولهذا أصبح المصطلح جزءًا معروفًا من قاموس الدبلوماسية الدولية.
القمة التي تستغرق ساعة.. ماذا يحدث قبلها؟
المشهد الذي يصل إلى الجمهور غالبًا لا يتجاوز دقائق.
وصول الزعيم، مصافحة، صور أمام الصحفيين، ثم اجتماع مغلق.
لكن خلف هذا المشهد قد تكون هناك أسابيع أو أشهر من العمل.
تبدأ الفرق المتخصصة بتحديد الملفات، ثم تنتقل إلى مناقشة المواقف المختلفة، وبعدها تبدأ عملية صياغة المقترحات والبيانات.
ويتواصل الشيربا مع نظرائهم لمعرفة مساحة الحركة المتاحة لكل طرف.
ما الذي يمكن تمريره؟
ما الذي يحتاج إلى تعديل؟
ما العبارة التي يمكن أن تقبلها الدولة؟
وأين توجد نقطة الخلاف التي لا يمكن تجاوزها؟
وبمرور الوقت، تتقلص الملفات التي تحتاج إلى تدخل القادة أنفسهم.
وعندما يجلس الرئيسان أخيرًا، تكون أمامهما غالبًا مجموعة محددة من القضايا التي تحتاج إلى قرار سياسي مباشر.
وهنا يمكن أن تصبح ساعة واحدة أكثر أهمية من عشرات الساعات التي سبقتها.
هل يتفاوض الشيربا بدلًا من الرئيس؟
ليس بالمعنى الكامل.
الشيربا يعمل بتفويض من القائد، لكنه لا يحل محل صاحب القرار النهائي.
يمكنه التفاوض، وطرح البدائل، واختبار ردود الفعل، وصياغة الحلول، ومحاولة تضييق مساحة الخلاف، لكنه يصل في مرحلة معينة إلى نقطة لا يستطيع تجاوزها دون الرجوع إلى القيادة السياسية.
وهذه النقطة تحديدًا هي التي تفسر جزءًا كبيرًا من أهمية القمم الرئاسية.
فالقائد يستطيع أن يقدم التزامًا سياسيًا أو يتخذ قرارًا لا يملك المفاوض العادي سلطة اتخاذه.
لذلك يمكن أن تنتهي شهور من المفاوضات إلى جملة واحدة يقولها الرئيس في اجتماع مغلق، فتفتح الباب أمام اتفاق جديد أو مرحلة مختلفة من التفاوض.
«مسار الشيربا» في مجموعة العشرين
لا يقتصر المصطلح على مجموعة السبع.
في مجموعة العشرين يوجد ما يعرف باسم «مسار الشيربا»، وهو أحد المسارات الرئيسية للعمل إلى جانب المسار المالي.
ويتعامل هذا المسار مع مجموعة واسعة من القضايا التي تصل إلى القمة، مثل التنمية، والصحة، والتعليم، والمناخ، والتحول الرقمي، والتوظيف، والطاقة وغيرها من الملفات.
ويقوم الشيربا بتنسيق مواقف بلاده والتفاوض مع نظرائه قبل وصول القادة إلى الاجتماع النهائي.
ومن هنا يمكن فهم أن القمة ليست حدثًا منفصلًا عن بقية العمل الدبلوماسي، بل هي جزء من عملية أكبر تبدأ قبلها بوقت طويل.
ولماذا لا تكفي الاتصالات الهاتفية؟
رغم التطور الهائل في وسائل الاتصال، فإن اللقاء المباشر ما زال يحتفظ بمكانة خاصة في الدبلوماسية.
فالحديث وجهًا لوجه يمنح القادة فرصة للتفاوض بعيدًا عن النصوص الرسمية، وطرح أسئلة مباشرة، واختبار مدى استعداد الطرف الآخر لتغيير موقفه.
كما أن اللقاء الشخصي قد يكون رسالة سياسية في حد ذاته.
فمجرد سفر رئيس دولة إلى عاصمة أخرى من أجل لقاء قائد دولة ثانية يمكن أن يحمل دلالة على أهمية الملف والعلاقة بين الطرفين.
وفي المقابل، قد يكون عدم عقد اللقاء المباشر أو الاكتفاء بمكالمة هاتفية أو إرسال مبعوث قرارًا سياسيًا له دلالته أيضًا.
لذلك لا يمكن اختزال السفر الرئاسي في مسألة تقنية مثل إمكانية إجراء اتصال عبر الإنترنت؛ فالدبلوماسية لا تقوم فقط على نقل المعلومات، وإنما على التفاوض والثقة والإشارات السياسية والقدرة على اتخاذ القرار.
الجانب الأمني.. عندما تصبح المعلومة أخطر من المسافة
هناك جانب آخر شديد الحساسية يتعلق بأمن الاتصالات والمعلومات.
الدول الكبرى تستخدم منظومات معقدة لحماية المعلومات المصنفة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالملفات العسكرية أو الاستخباراتية أو الأمن القومي.
وفي الولايات المتحدة، على سبيل المثال، توجد منشآت تعرف باسم SCIF، وهي منشآت مخصصة للتعامل مع معلومات استخباراتية حساسة، وتخضع لمعايير صارمة تتعلق بالأمن المادي والتقني.
لكن من المهم عدم اعتبار وجود هذه المنشآت دليلًا على أن كل اجتماع رئاسي يتم داخل غرفة من هذا النوع؛ فالإجراءات الأمنية تختلف وفق الدولة والمكان وطبيعة الاجتماع ودرجة حساسية المعلومات.
ولهذا فإن الأمن أحد عوامل تفضيل اللقاءات المباشرة في بعض الحالات، لكنه ليس التفسير الوحيد.
عندما تصبح لغة الجسد جزءًا من التفاوض
هناك جانب آخر لا يمكن تجاهله: التواصل الإنساني المباشر.
عندما يجلس قائدان وجهًا لوجه، لا يتبادلان الكلمات فقط.
هناك نبرة الصوت، وطريقة الإجابة، وسرعة الرد، والتوقف قبل الحديث، وطريقة إدارة الحوار، وكلها عناصر قد تساعد الطرفين على فهم مساحة الحركة المتاحة.
لكن هذا لا يعني أن لغة الجسد تكشف النوايا بصورة مؤكدة، أو أن الاجتماعات الافتراضية عديمة القيمة؛ إنما يعني أن اللقاء المباشر يضيف طبقة أخرى من التواصل السياسي لا توفرها الشاشة بالطريقة نفسها.
قمم قصيرة تركت آثارًا طويلة
التاريخ الحديث يقدم أمثلة على لقاءات بين قادة كان لها وزن سياسي كبير رغم أن القمة نفسها لم تكن بالضرورة اجتماعًا طويلًا.
في قمة جنيف عام 1985، التقى الرئيس الأمريكي رونالد ريجان بالزعيم السوفيتي ميخائيل جورباتشوف في واحدة من أبرز محطات العلاقات بين واشنطن وموسكو خلال الحرب الباردة.
وتظهر الوثائق الأمريكية الرسمية أن اللقاءات الخاصة بين الرجلين تضمنت مناقشات مهمة حول العلاقات الثنائية والحد من الأسلحة النووية، وأن القمة ساعدت في خلق أرضية أفضل لاستمرار الحوار، رغم عدم التوصل خلالها إلى اتفاق نهائي بشأن جميع القضايا.
وبعد أكثر من ثلاثة عقود، جاءت قمة سنغافورة عام 2018 بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والزعيم الكوري الشمالي كيم جونج أون، وهي أول قمة تجمع زعيمًا أمريكيًا بجانب زعيم كوريا الشمالية، وانتهت ببيان مشترك تناول العلاقات بين البلدين والسلام في شبه الجزيرة الكورية وقضية نزع السلاح النووي، مع الاتفاق على مواصلة المفاوضات.
هذه الأمثلة لا تعني أن كل قمة قصيرة تغير التاريخ، لكنها توضح أن مدة الاجتماع ليست وحدها معيار أهمية القمة.
لماذا يسافر القادة آلاف الأميال؟
لأن السفر نفسه يمكن أن يكون جزءًا من الرسالة.
عندما يقرر رئيس دولة أن يقطع آلاف الكيلومترات لعقد اجتماع مباشر، فإن ذلك يعني أن الملف وصل إلى مستوى يستحق وجود القيادة السياسية شخصيًا.
وقد يكون الهدف حل أزمة، أو فتح قناة تفاوض، أو تثبيت تفاهم، أو منع سوء فهم، أو إعطاء دفعة لمفاوضات وصلت إلى طريق مسدود.
وفي حالات أخرى، قد تكون القمة فرصة لإقامة علاقة شخصية بين القادة، وهو أمر قد تكون له أهمية عندما تتكرر اللقاءات والأزمات ويصبح التواصل المباشر بين الزعيمين جزءًا من إدارة العلاقة بين البلدين.
رجال الظل الذين لا تظهر صورهم
المفارقة أن الأشخاص الذين يساهمون في صناعة القمة لا يكونون عادةً هم الوجوه التي يراها الجمهور.
الكاميرات تبحث عن الرئيس.
أما الشيربا وفريقه فيعملون في الغرف المغلقة، وفي الاجتماعات التحضيرية، وعلى مسودات البيانات، وفي الاتصالات التي تسبق القمة.
وقد تمر عشرات المسائل أمامهم قبل أن يصل القائد إلى الطاولة.
وفي كل مرة ينجح فيها المفاوضون في حل نقطة خلاف، تختفي قضية من قائمة القضايا التي تحتاج إلى تدخل الرئيس.
وبذلك تكون مهمتهم الحقيقية هي تقليل مساحة المجهول قبل وصول القائد.
ما بعد القمة.. المهمة لا تنتهي
حتى بعد مغادرة القادة، لا ينتهي عمل الشيربا.
فالاتفاقات التي يتم الإعلان عنها تحتاج إلى متابعة، والبيانات تحتاج إلى ترجمة سياسية إلى خطوات عملية، والالتزامات تحتاج إلى تنسيق بين الحكومات.
ولهذا تستمر فرق الشيربا في التواصل بعد القمم، وتبدأ في الوقت نفسه التحضير للجولات التالية.
وهنا تتضح الصورة كاملة:
القمة ليست بداية التفاوض، وإنما غالبًا هي اللحظة التي يظهر فيها التفاوض إلى العلن.
أما الجزء الأكبر من العمل فيجري بعيدًا عن الكاميرات.
السر وراء «الساعة الواحدة»
في النهاية، ربما يكون السؤال الصحيح ليس: لماذا يسافر الرئيس آلاف الأميال من أجل ساعة واحدة؟
بل:
كم ساعة سبقت تلك الساعة؟
خلف اللقاء القصير قد تكون هناك أشهر من التحضير، ومئات الصفحات من التقارير، واتصالات بين مسؤولين، ومفاوضات بين فرق مختلفة، ومسودات تم تعديلها عشرات المرات.
وعندما يصل القائد إلى الطاولة، تكون مهمة «الشيربا» قد وصلت إلى لحظة الاختبار الأخيرة.
فإذا كان الطريق قد أصبح ممهدًا، يستطيع القائد أن يركز على القرارات الكبرى.
وإذا بقيت عقدة واحدة لا يستطيع المفاوضون حلها، تنتقل إلى أعلى مستوى.
وهنا يظهر الدور الحقيقي لرجال الظل.
الشيربا لا يصنع القمة أمام الكاميرات، لكنه يساعد على جعلها ممكنة قبل أن تبدأ.
ولهذا، عندما يرى العالم رئيسين يجلسان خلف أبواب مغلقة لمدة ساعة، فإن ما يحدث داخل الغرفة قد يكون مجرد الفصل الأخير من قصة بدأت قبل ذلك بأشهر، في مكاتب وغرف اجتماعات لا يعرف الجمهور عنها شيئًا.




