أربعون يومًا على رحيل أخي سعيد.. غيابٌ مر على القلب كأنه دهر
أربعون يومًا على رحيل أخي سعيد.. غيابٌ مر على القلب كأنه دهر
بقلم صفاء الليثي
أربعون يومًا على رحيل أخي سعيد.. غيابٌ مر على القلب كأنه دهر
اليوم أربعون يومًا على رحيل أخي سعيد… أربعون يومًا فقط في حساب الزمن، لكنها في حساب القلب كانت دهرًا كاملًا.

منذ رحيله، لم يعد للوقت المعنى نفسه. أصبحت الأيام تمرّ، نعم، لكنها لا تمضي كما كانت من قبل. هناك يومٌ ينتهي، ثم يأتي آخر يحمل الغياب نفسه، والسؤال نفسه، والحنين نفسه، وكأن القلب عالق عند اللحظة التي عرف فيها أن سعيد لن يعود.

في الفقد، نكتشف أن الإنسان لا يشتاق إلى الشخص وحده، وإنما يشتاق إلى الحياة التي كانت موجودة بوجوده.

نشتاق إلى صوته، إلى حضوره، إلى تفاصيل لم نكن نعرف قيمتها وهي تحدث أمامنا. نشتاق إلى أشياء ربما لم نلتفت إليها من قبل، لأن وجود من نحب كان بالنسبة لنا أمرًا طبيعيًا، حتى جاء الغياب ليخبرنا أن أكثر الأشياء عادية في حياتنا كانت في الحقيقة أكثرها قيمة.

أربعون يومًا يا سعيد…
وما زال المكان يعرفك.
وما زالت بعض التفاصيل تحمل شيئًا منك، وما زال اسمك حين يمرّ في الحديث يترك وراءه صمتًا لا يشبه أي صمت.

تعلمنا بعد رحيلك أن الغياب ليس فراغًا في المكان فقط، بل فراغٌ في الروح أيضًا.
قد يجلس الناس حولنا، وقد تستمر الحياة بكل تفاصيلها، وقد نضحك وننجز أعمالنا ونتحدث في أمور كثيرة، لكن هناك جزءًا في الداخل يعرف أن شيئًا لن يعود كما كان.

وهذه هي قسوة الفقد…
أن تستمر الحياة من الخارج، بينما تتغير أشياء كثيرة في الداخل.
أربعون صباحًا مرّت دون أن نراك.

وأربعون ليلة حملت معها الدعاء والاشتياق.
أربعون مرة حاولنا فيها أن نضع الغياب في مكانه الصحيح، فوجدنا أن القلب لا يعرف الأماكن التي يوضع فيها من نحب.
فالذين نحبهم لا يصبحون ذكرى بمجرد أن يرحلوا.

هم يتحولون إلى أثر.
والأثر لا يغيب بسهولة.
يبقى في الكلمات، وفي الدعاء، وفي الأماكن، وفي ملامح الأيام، وفي ذلك الشعور الغريب الذي يزورنا فجأة حين نتذكر أن من كان جزءًا من حياتنا أصبح الآن في عالم آخر.
يا أخي سعيد…
لا أملك أمام رحيلك كلمات تستطيع أن تساوي حجم ما نشعر به.
فبعض الأحزان أكبر من اللغة، وبعض الغياب لا تستطيع الحروف أن تحيط به.
لكنني أملك الدعاء، والدعاء في الفقد ليس مجرد كلمات، بل هو الشيء الذي نستطيع أن نقدمه لمن أحببنا بعدما أصبحت أيدينا عاجزة عن الوصول إليه.

اللهم إن أخي أصبح بين يديك، فكن له أرحم منا.
اللهم اغفر له، وارحمه، وأنر قبره، وآنس وحشته، واجعل قبره روضة من رياض الجنة.
اللهم اجعل كل خير فعله في حياته نورًا له، وكل قلب أسعده شاهدًا له، وكل أثر طيب تركه ممتدًا إليه بالرحمة.
اللهم لا تحرمه أجر ما زرع من خير، ولا تجعل رحيله نهاية أثره، واجعل له من دعائنا نصيبًا لا ينقطع.
ونحن يا رب لا نعترض على قضائك.
نعلم أن الموت حق، وأن لكل إنسان أجلًا إذا جاء لا يستأخر ولا يستقدم.
لكننا بشر، والقلوب تضعف، والحنين يأتي دون موعد، والدموع أحيانًا تكون اللغة الوحيدة التي تعرفها الروح حين تعجز الكلمات.
لذلك نسألك يا الله أن تمنحنا الصبر دون أن تطفئ فينا الوفاء، وأن تمنحنا الرضا دون أن تمنع عنا الحنين، وأن تجعل هذا الفقد بابًا إلى مزيد من الدعاء والرحمة والعمل الصالح.
أربعون يومًا يا سعيد…
ربما يقول الناس إن الأربعين قد مرّت، لكن القلب لا يحسب الفقد بهذه الطريقة.
القلب لا يقول: مضى أربعون يومًا.
القلب يقول: مضى أربعون يومًا منذ آخر مرة رأيناك فيها، ومنذ آخر مرة سمعنا صوتك، ومنذ أصبحت الدعوات هي الطريق الوحيد الذي يصل بيننا وبينك.
ولا نعرف كم سيمضي من الوقت حتى يخفّ هذا الألم، وربما لا يخفّ تمامًا.
لكننا نعرف شيئًا واحدًا:
أن المحبة الصادقة لا تنتهي بالموت.
قد يتوقف اللقاء، لكن الدعاء يستمر.
قد يغيب الصوت، لكن الذكرى تبقى.
قد تغلق الدنيا بابًا، لكن رحمة الله أوسع من كل الأبواب.
يا سعيد…
أربعون يومًا على رحيلك، وما زال القلب يكتب اسمك بالدمع، ويضعه بين يدي الله في كل دعاء.
رحمك الله يا أخي رحمة واسعة، وجعل مقامك خيرًا من مقامنا، ودارك خيرًا من دارنا، وجمعنا بك في يومٍ لا يكون فيه فراق ولا وداع.
أربعون يومًا…
وكأنها دهر كامل من الغياب.





