عودة المارد الذري: الطاقة النووية تتصدر مشهد أمن الطاقة العالمي
كتب / دكتور محمد الفاتح
بعد مرور نحو أربعة عقود على كارثة “تشيرنوبل” التي كبحت طموحات الذرة عالمياً، يعود الملف النووي ليتصدر واجهة الأولويات الجيوسياسية والاقتصادية. لم يعد الحديث عن الطاقة النووية مجرد خيار تقني، بل بات ضرورة استراتيجية تفرضها تقلبات أسواق الطاقة والتوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط، تزامناً مع السعي الحثيث لتحقيق الحياد الكربوني.
خارطة الطريق النووية: أرقام وطموحات
تشهد الصناعة النووية زخماً غير مسبوق لتلبية الطلب المتزايد على الكهرباء، وتكشف البيانات الحالية عن مشهد عالمي متحول:
• المفاعلات العاملة: أكثر من 400 مفاعل نشط في 31 دولة.
• تحت الإنشاء: نحو 70 مفاعلاً جديداً قيد التجهيز.
• الحصة السوقية: تساهم الطاقة النووية بـ 10% من إنتاج الكهرباء العالمي، وربع مصادر الطاقة منخفضة الكربون.
أمن الطاقة: المحرك الجديد للنهضة النووية
أدت الصراعات الجيوسياسية، لا سيما في منطقة الشرق الأوسط، إلى إعادة صياغة مفاهيم “أمن الطاقة”. ووفقاً لـ فاتح بيرول، المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية، فإن القناعة العالمية بضرورة العودة للطاقة النووية ترسخت كصمام أمان ضد انقطاع الإمدادات التقليدية.
تحولات القوى الكبرى:
1. الولايات المتحدة: تقود المشهد بـ 94 مفاعلاً، مع خطة طموحة لمضاعفة قدراتها 4 مرات بحلول عام 2050.
2. الصين: تسابق الزمن بـ 61 مفاعلاً عاملاً و40 وحدة قيد الإنشاء، سعياً لانتزاع الصدارة العالمية.
3. أوروبا: في “اعتراف تاريخي”، وصفت أورسولا فون دير لاين تقليص الاعتماد النووي سابقاً بأنه “خطأ استراتيجي”، معلنةً دمج النووي ضمن مزيج الطاقة النظيفة.
4. روسيا: تفرض نفسها كأكبر مصدّر للتكنولوجيا النووية ببناء 20 مفاعلاً حول العالم.
تكنولوجيا أكثر أماناً.. ودروس مستفادة
تجاوز القطاع النووي عُقدة “فوكوشيما وتشيرنوبل” عبر تبني معايير سلامة فائقة الجودة وتقنيات أقل كلفة. اليابان نفسها أعادت تشغيل 15 مفاعلاً بعد مراجعات صارمة، بينما تواصل أوكرانيا الاعتماد على الطاقة النووية لتوليد نصف احتياجاتها رغم ظروف الحرب المعقدة.
إفريقيا والشرق الأوسط: اللاعبون الجدد
لم يعد الطموح النووي حكراً على الدول الصناعية الكبرى؛ حيث تبرز مصر كلاعب صاعد بقوة في هذا المجال من خلال مشاريعها النووية الواعدة، لتنضم إلى جنوب إفريقيا في سباق القارة السمراء نحو الطاقة المستدامة.
كلمة الختام: لخص “رافائيل غروسي”، مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، المشهد بأن العالم يمر بتحول جذري؛ فالطاقة النووية اليوم هي الركيزة الأساسية لمستقبل طاقة موثوق، نظيف، ومستقل





