صفاء الليثي تكتب:حين يموت الضمير… لا تنجو المدن
صفاء الليثي تكتب:حين يموت الضمير… لا تنجو المدن
هناك أشياء لا تموت لأنها خُلقت لتبقى، وأشياء أخرى تموت وهي لا تزال تمشي بين الناس.
قد يموت الجسد ويبقى صاحبه حيًا في قلوب الملايين، وقد يمشي الإنسان بين الجميع سنوات طويلة، لكنه يكون قد فقد أجمل ما فيه منذ زمن بعيد.
وأخطر ما يمكن أن يفقده الإنسان ليس المال، ولا المنصب، ولا الشهرة، بل ذلك الصوت الخافت الذي كان يومًا يوقظه إذا أخطأ، ويعاتبه إذا ظلم، ويمنعه من أن يؤذي قلبًا لا ذنب له.
إنه الضمير… ذلك الكنز الذي إذا ضاع، أصبحت الحياة أكثر برودة، وأكثر قسوة، وأكثر وحشة.
لقد أصبح العالم سريعًا إلى درجة مخيفة.
الجميع يركض، والجميع يتحدث، والجميع يريد أن يصل أولًا، لكن قليلين فقط يتوقفون ليسألوا أنفسهم: إلى أين نمضي؟ وهل ما نكسبه يستحق أن نخسر في سبيله إنسانيتنا؟
صرنا نعيش في زمن أصبحت فيه الكلمة تُقال قبل أن تُفكر، والحكم يُصدر قبل أن تُعرف الحقيقة، والاتهام ينتشر أسرع من البراءة. يكفي أن تُنشر صورة، أو يُقتطع مقطع، أو تُكتب جملة مبتورة، حتى يتحول الناس إلى قضاة، وتتحول الشاشات إلى محاكم، ويصبح الضمير آخر من يُستشار.
كم هو مؤلم أن نرى إنسانًا يُحاكم لأنه مختلف، أو يُهاجم لأنه نجح، أو يُتهم لأنه لم يُجامل.
وكم هو أصعب أن يتحول الألم عند البعض إلى متعة، وأن يصبح سقوط الآخرين مناسبة للاحتفال بدلًا من أن يكون لحظة نتعلم منها الرحمة.
لا أحد يعرف ما يدور داخل القلوب. قد ترى إنسانًا يبتسم، بينما يخفي وراء ابتسامته ألف دمعة.
وقد ترى امرأة تبدو قوية، بينما تقضي ليلها كله تدعو الله أن يربط على قلبها.
وقد ترى رجلًا يضحك بين الناس، ثم يعود إلى بيته مثقلًا بما لا يستطيع أن يحكيه لأحد.
لهذا كان أعظم ما يمكن أن يملكه الإنسان هو الرحمة، لأنها وحدها تجعله يتردد قبل أن يجرح، ويفكر قبل أن يظلم، ويصمت قبل أن يقسو.
ليست المشكلة في أن نختلف، فالاختلاف سنة الحياة، ولكن المشكلة أن يتحول الاختلاف إلى كراهية، وأن يتحول الرأي إلى عداوة، وأن يتحول الحوار إلى معركة يريد كل طرف فيها أن ينتصر لنفسه، لا للحقيقة.
الحقيقة لا تحتاج إلى صراخ، بل تحتاج إلى عقول تنصت، وقلوب لا يغطيها الغرور.
لقد علمتنا الحياة أن أكثر الناس ضجيجًا ليسوا دائمًا أكثرهم صدقًا، وأن أكثر الوجوه هدوءًا قد تحمل من النبل ما تعجز الكلمات عن وصفه.
فلا تجعلوا أصواتكم أعلى من أخلاقكم، ولا تجعلوا أحكامكم أسرع من ضمائركم، فالكلمة قد تخرج في لحظة غضب، لكنها تبقى في قلب صاحبها سنوات لا يستطيع نسيانها.
الغريب أن الإنسان قد يقضي عمره كله يبحث عن السعادة، بينما هي تقف أمامه في صورة بسيطة جدًا؛ في دعاء أم، أو ابتسامة طفل، أو يد تمتد لمساعدة محتاج، أو كلمة طيبة تُقال في وقتها.
ليست السعادة قصرًا كبيرًا ولا حسابًا ممتلئًا، بل قلب يعرف كيف ينام دون أن يحمل بداخله حقًا لأحد.
كم من بيوت فخمة يسكنها الشقاء، وكم من غرف صغيرة امتلأت بالسكينة.
وكم من أصحاب مناصب عاشوا في خوف دائم، وكم من بسطاء عاشوا ملوكًا لأن قلوبهم كانت مطمئنة. ليست قيمة الإنسان فيما يملك، بل فيما يمنح، وليس فيما يجمع، بل فيما يتركه من أثر بعد أن يرحل.
ومن المؤسف أن البعض يظن أن القوة تعني القسوة، وأن الهيبة تعني التخويف، وأن النجاح لا يكتمل إلا إذا تعثر الآخرون.
لكنها أوهام لا تعيش طويلًا، لأن الحياة عادلة بطريقة لا يتخيلها أحد.
قد تتأخر العدالة، لكنها لا تضيع، وقد يظن الظالم أنه انتصر، بينما الأيام تُعد له الدرس الذي لن ينساه.
لا تحتقروا أحدًا، فربما كان عند الله أعظم قدرًا منكم.
ولا تستهينوا بدمعة إنسان، فرب دعوة خرجت من قلب مكسور غيرت أقدارًا بأكملها.
ولا تفرحوا بعثرة أحد، فالدنيا تدور، وما تزرعونه اليوم ستجدونه غدًا في طريقكم، خيرًا كان أو شرًا.
إن أجمل ما في الإنسان أنه يستطيع أن يبدأ من جديد.
لا يوجد فشل نهائي لمن يؤمن بالله، ولا انكسار دائم لمن يعرف أن بعد العسر يسرًا.
قد تتأخر الأمنيات، وقد تضيق الطرق، وقد تخذلك الوجوه التي ظننتها سندًا، لكن الله لا يترك قلبًا أحسن الظن به.
ولعل أعظم خسارة ليست أن تخسر وظيفة، أو مالًا، أو فرصة، وإنما أن تخسر نفسك وأنت تحاول أن تُرضي الجميع.
الناس تتغير، والظروف تتبدل، أما المبادئ فهي الشيء الوحيد الذي يستحق أن تتمسك به حتى آخر العمر.
تذكروا دائمًا أن الكلمات ليست حروفًا عابرة، بل مسؤولية.
كلمة قد ترفع إنسانًا من قاع اليأس إلى قمة الأمل، وكلمة أخرى قد تهدم ما بناه قلبه في سنوات.
لذلك اختاروا كلماتكم كما يختار المسافر زاده، فرب كلمة تكتب لكم عمرًا من المحبة، ورب كلمة تفتح باب ندم لا يُغلق.
وليس المطلوب من الإنسان أن يكون كاملًا، فالكمال لله وحده، وإنما المطلوب أن يكون صادقًا، وأن يعتذر إذا أخطأ، وأن يعترف إذا قصر، وأن يفرح لنجاح غيره كما يفرح لنجاحه.
تلك الأخلاق هي التي تبني المجتمعات، لا الأبراج العالية، ولا الشوارع الواسعة، ولا الأرقام التي نتباهى بها.
سيأتي يوم يصمت فيه كل شيء. تتوقف الهواتف عن الرنين، وتغلق الشاشات، وتختفي الألقاب، ويعود كل إنسان إلى الحقيقة التي لا يستطيع الهروب منها.
في ذلك اليوم لن يكون السؤال: كم امتلكت؟ ولا كم شهرة حققت؟ ولا كم شخصًا صفق لك؟ بل سيكون السؤال: كم قلبًا جبرت؟ وكم دمعة مسحت؟ وكم مظلومًا أنصفت؟ وكم مرة انتصرت لضميرك حين كان الصمت أسهل؟
لهذا، قبل أن تناموا كل ليلة، اسألوا أنفسكم سؤالًا واحدًا: هل كنتم اليوم سببًا في راحة إنسان، أم سببًا في وجعه؟ فإن كانت الأولى، فاحمدوا الله، وإن كانت الثانية، فسارعوا إلى إصلاح ما أفسدته الكلمات قبل أن يصبح الاعتذار متأخرًا.
فالإنسان لا يخلده ما جمعه من مال، ولا ما ارتداه من ألقاب، ولا ما ناله من تصفيق، وإنما يخلده أثره في قلوب الناس.
والكلمة الصادقة تبقى، والرحمة تبقى، والمواقف النبيلة تبقى، أما كل شيء سواها، فيذروه الزمن كما تذرو الريح أوراق الخريف.
ويبقى الضمير… آخر ما ينبغي أن نخسره، لأنه إذا مات في القلوب، فلن تنفع المدن بما فيها من عمران، ولن تضيء الشوارع مهما كثرت أنوارها، ولن يصبح للحياة معنى، مهما ازدانت من الخارج.
فالإنسانية لا تُقاس بما نبنيه من حجارة، بل بما نبنيه من رحمة في قلوب البشر.





