🪙 الذهب: 6,225 ج.م
سعر الذهب اليوم
6,225 ج.م
الذهاب للصفحة
💵 الدولار: 51.81
أسعار العملات
الدولار الأمريكي 51.81
اليورو الأوروبي 58.82
الذهاب للصفحة
🕌 الصلاة: الظهر
مواقيت الصلاة - القاهرة
الفجر 5:20 AM
الشروق 6:47 AM
الظهر 12:46 PM
العصر 4:12 PM
المغرب 6:44 PM
العشاء 8:02 PM
الذهاب للصفحة
☀️ القاهرة: 26°
الطقس الآن - القاهرة
26°
الحالة سماء صافية
الرطوبة 40%
الرياح 4 م/ث
الذهاب للصفحة
عاجل
مقالات

صفاء الليثي تكتب: حين تصبح الأرحام سلما يصعد عليه الآخرون

نبض القلم | حين تصبح الأرحام سلما يصعد عليه الآخرون

صفاء الليثي تكتب: حين تصبح الأرحام سلما يصعد عليه الآخرون

 

نبض القلم | حين تصبح الأرحام سلما يصعد عليه الآخرون

..

هناك نوع من البشر لا يبحث عن مكانه بين الناس بقدر ما يبحث عن كتف يقف فوقه.

 

لا يعنيه كثيرًا إن كان الطريق إلى غايته يمر فوق مشاعر إنسان، أو كرامة قريب، أو علاقة كانت يومًا عامرة بالمودة. المهم أن يصل، وأن يبدو أعلى، وأن يظل هو في الصورة، حتى لو خرج آخرون منها مثقلين بالخسارة.

 

وهنا يبدأ نبض القلم…

 

فالحياة لا تخلو من المتسلقين، ولا من الذين يجيدون التملق، ولا من الذين يعرفون كيف يقتربون من صاحب القرار، وكيف يقولون لكل إنسان ما يحب أن يسمعه، وكيف ينقلون الكلام لا كما قيل، وإنما كما يخدم الغرض الذي يريدونه.

 

لكن الخطر الحقيقي لا يبدأ حين يتحدث هؤلاء.

 

الخطر يبدأ حين تجد كلماتهم آذانًا تستقبلها بلا تمحيص، وقلوبًا تصدقها بلا سؤال، وعقولًا تبني عليها أحكامًا قد تغير مصائر أقرب الناس.

 

كلمة واحدة قد تجعل زوجًا يشك في زوجته.

 

وحكاية ناقصة قد تجعل أبًا يرى ابنه بغير العين التي عرفه بها سنوات عمره.

 

وظن عابر قد يزرع بين أخ وأخوة جدارًا لا يعرف أحد كيف ارتفع.

 

ونقل كلام قد يجعل أختًا تبتعد عن أختها، أو أمًا تغضب من ولدها، أو أخًا يحمل في قلبه على أخيه ما لم يكن ليحمله لو سمع الحقيقة كاملة.

 

وهنا لا يعود الأمر مجرد خلاف بين شخصين.

 

إنه شيء أكبر.

 

إنه حين تتحول العلاقات التي خلقها الله على الفطرة والمودة والرحمة إلى ساحات مفتوحة لمن يريد أن يتدخل، أو يستفيد، أو يصعد، أو يفرض صورته الخاصة على الآخرين.

 

والرحم تحديدًا ليست مساحة مباحة لكل عابر.

 

قال الله تعالى:

 

“والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار.”

 

فماذا يعني أن يكون بين يدي الإنسان شيء أمر الله أن يوصل؟

 

وماذا يعني أن تصبح كلمة منه سببًا في قطع ما أمر الله بوصله؟

 

ربما لا يدرك الإنسان خطورة ما يفعله حين ينقل كلمة، أو يضيف إلى حكاية، أو يحذف منها، أو يضع تفسيرًا من عنده لموقف لم يشهده، ثم يتركها تستقر في أذن إنسان آخر.

 

قد ينسى هو الكلمة بعد ساعات.

 

لكن هناك من قد يعيش أثرها سنوات.

 

فاللسان لا يحمل الكلمات فقط.

 

أحيانًا يحمل بيوتًا كاملة إلى الهاوية.

 

والقرآن حين تحدث عن الأخبار لم يترك للإنسان بابًا مفتوحًا للاندفاع وراء كل ما يسمع، فقال سبحانه:

 

“يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين.”

 

والتبين ليس رفاهية.

 

خصوصًا حين يكون الثمن إنسانًا.

 

وحين يكون الثمن رحمًا.

 

وحين يكون الثمن علاقة لا يمكن إعادة عمرها الذي ضاع بمجرد أن نكتشف بعد سنوات أن ما صدقناه لم يكن الحقيقة كاملة.

 

والأشد وجعًا أن بعض الناس لا يحتاجون إلى كذبة كاملة.

 

يكفيهم نصف حقيقة.

 

يكفيهم أن يضعوا الحقيقة في غير موضعها.

 

يكفيهم أن يتركوا كلمة تحتمل أكثر من معنى، ثم ينسحبوا، ليكمل الآخرون الباقي بظنونهم.

 

ولهذا جاء التحذير القرآني واضحًا:

 

“يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا.”

 

فالظن حين يدخل بين القلوب لا يبقى ظنًا طويلًا.

 

قد يتحول إلى يقين زائف.

 

ثم يتحول اليقين الزائف إلى موقف.

 

ثم يتحول الموقف إلى قطيعة.

 

ثم يأتي الزمن بعد ذلك، وقد أصبح كل طرف يروي الحكاية من المكان الذي وقف فيه، وينسى أن الحكايات التي فرقت بين الناس ربما بدأت من فم إنسان لم يكن طرفًا فيها أصلًا.

 

وهنا تظهر أخطر صورة من صور التسلق…

 

أن يصعد الإنسان في مكانه على أنقاض علاقة بين آخرين.

 

أن يصبح قربه من شخص أقوى كلما ابتعد ذلك الشخص عن أهله.

 

أن يشعر أن مكانه يثبت كلما اهتزت علاقة بين أخ وأخ، أو أب وابنه، أو زوج وزوجته.

 

وهؤلاء لا يكتفون أحيانًا بأن يكونوا موجودين في المشهد.

 

بل يريدون أن يصنعوا المشهد.

 

يقولون لمن هذا الكلام، ويخفون عن ذاك كلامًا آخر، ويقدمون نصف صورة، ويؤخرون نصفها الآخر، ثم يتركون القلوب تقوم بالباقي.

 

ولا أحد يعرف في تلك اللحظة كم من المحبة ماتت بسبب رواية لم تكتمل.

 

كم من بيت تغيرت ملامحه.

 

كم من أب أصبح حائرًا في ابنه.

 

كم من ابن حمل على أبيه.

 

كم من زوجة نظرت إلى زوجها بعين الشك.

 

كم من زوج تغيرت مشاعره تجاه زوجته.

 

كم من أخ ابتعد عن أخيه.

 

وكم من أخت نامت وفي قلبها شيء تجاه أختها، بينما كان يمكن أن ينتهي كل شيء بجلسة صادقة واحدة لو لم يصل الكلام إلى القلب قبل أن تصل إليه الحقيقة.

 

ولهذا فإن صلة الرحم ليست مجرد زيارات ومجاملات في المناسبات.

 

هي مسؤولية أخلاقية.

 

هي أن تحمي الغائب كما تحمي الحاضر.

 

أن ترفض أن تكون بريدًا للفتنة.

 

أن تتوقف قبل أن تنقل كلمة.

 

أن تسأل نفسك: ماذا لو كانت هذه الكلمة ستقطع رحمًا؟

 

ماذا لو كانت ستجعل إنسانًا يخاصم من لا يستحق الخصام؟

 

ماذا لو كنت أنقل شيئًا لن أستطيع إصلاح أثره بعد ذلك؟

 

فالكلمة التي تخرج من الفم لا تعود إليه.

 

والقلب الذي ينكسر لا تعيده الاعتذارات دائمًا إلى صورته الأولى.

 

والعلاقات العائلية تحديدًا ليست ساحة للانتصارات الشخصية.

 

لا يوجد فيها غالب حقيقي حين يخسر الأخ أخاه.

 

ولا يوجد منتصر حين يخاصم الأب ابنه.

 

ولا يوجد مكسب حين تتحول الأم إلى طرف، ويصبح أولادها أطرافًا متباعدة.

 

فالأسرة حين تتصدع، لا تسقط قطعة واحدة.

 

تسقط أشياء كثيرة معها: الأمان، والذكريات، والثقة، والقدرة على العودة إلى ما كان.

 

والغريب أن من أشعل النار قد لا يبقى بجوارها حين تشتعل.

 

قد يعود إلى حياته، بينما يظل أهل البيت وحدهم يتعاملون مع الرماد.

 

وهنا يجب أن نتوقف أمام أنفسنا جميعًا، لا أمام غيرنا فقط.

 

فليس السؤال دائمًا: من الذي تكلم؟

 

السؤال أيضًا: من الذي صدق؟

 

ومن الذي حكم؟

 

ومن الذي أغلق أذنه أمام أخيه وفتحها لكل صوت آخر؟

 

ومن الذي سمح للآخرين أن يصنعوا له صورة عن أقرب الناس إليه؟

 

فالعدل لا يكون بأن نصدق من نحب فقط.

 

العدل أن نبحث عن الحقيقة حتى حين تكون الحقيقة مؤلمة.

 

والرحمة لا تكون بأن نقف مع طرف ضد طرف.

 

الرحمة أن نمنع الظلم عن الجميع.

 

وقد قال الله تعالى:

 

“إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون.”

 

تأملوا التعبير…

 

فأصلحوا.

 

لم يقل: اختاروا طرفًا.

 

لم يقل: صدقوا الرواية الأقرب إلى قلوبكم.

 

بل قال: أصلحوا.

 

لأن الإنسان قد يجد ألف سبب ليبتعد، لكنه يحتاج إلى قلب كبير حتى يكون سببًا في الوصل.

 

وفي زمن أصبح فيه الكلام أسرع من التفكير، والحكم أسرع من السؤال، ونقل الحكايات أسهل من الجلوس إلى أصحابها، تصبح صلة الرحم اختبارًا حقيقيًا للقلوب.

 

اختبارًا لمن يسمع.

 

ولمن ينقل.

 

ولمن يصدق.

 

ولمن يخاصم.

 

ولمن يستطيع أن يقول: لا أريد أن أكون سببًا في قطيعة بين اثنين، حتى لو كان بإمكاني أن أكسب من وراء ذلك شيئًا.

 

لأن بعض المكاسب خسارتها أكبر من كل ما ظنناه مكسبًا.

 

وبعض الأكتاف التي يصعد عليها الإنسان، يكتشف بعد أن يصل أن تحتها أناسًا لن يستطيع أن يعيدهم إلى مكانهم.

 

وحينها لا تنفع المكانة.

 

ولا ينفع التصفيق.

 

ولا ينفع أن يقول: لم أكن أقصد.

 

فبعض الأفعال لا تُقاس فقط بالنية التي قيلت عنها، وإنما بالأثر الذي تركته في قلوب الآخرين.

 

ويبقى السؤال الذي لا ينبغي أن نهرب منه:

 

حين يأتي يوم ونكتشف أن كلمة صدقناها كانت سببًا في بُعد رحم، وأن ظنًا حملناه كان ظلمًا، وأن إنسانًا وثقنا به كان ينقل لنا نصف الحقيقة فقط…

 

ماذا سنفعل بالأعوام التي مرت؟

 

وهل تعود القلوب إلى مكانها الأول بمجرد أن نعرف الحقيقة؟

 

أم أن هناك أشياء إذا انكسر فيها الوصل، ظلت آثار الكسر موجودة حتى بعد أن يعود السلام؟

 

لذلك ربما يكون أعظم انتصار للإنسان ألا يصعد فوق أحد.

 

وألا يجعل من ضعف غيره درجة.

 

وألا يفرح بمسافة صنعها بين اثنين.

 

وألا يسمح لكلمة أن تهدم رحمًا.

 

ففي النهاية، قد ننسى من قال الكلمة…

 

لكن القلوب لا تنسى دائمًا ما فعلته بها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى