🪙 الذهب: 5,975 ج.م
سعر الذهب اليوم
5,975 ج.م
الذهاب للصفحة
💵 الدولار: 51.28
أسعار العملات
الدولار الأمريكي 51.28
اليورو الأوروبي 58.48
الذهاب للصفحة
🕌 الصلاة: الظهر
مواقيت الصلاة - القاهرة
الفجر 4:28 AM
الشروق 6:09 AM
الظهر 1:01 PM
العصر 4:39 PM
المغرب 7:53 PM
العشاء 9:22 PM
الذهاب للصفحة
☀️ القاهرة: 26°
الطقس الآن - القاهرة
26°
الحالة سماء صافية
الرطوبة 40%
الرياح 4 م/ث
الذهاب للصفحة
عاجل
مقالات

صفاء الليثي تكتب: حين يصبح الصمت أبلغ من ألف كلمة

صفاء الليثي تكتب: حين يصبح الصمت أبلغ من ألف كلمة

 #بقلم_صفاء_الليثي

صفاء الليثي تكتب: حين يصبح الصمت أبلغ من ألف كلمة

هناك كلمات لا تموت لأنها قيلت، وهناك صمت لا يُنسى لأنه قال كل شيء.

 

ليست الحياة امتحانًا في كثرة ما نتحدث، بل في قدرتنا على اختيار اللحظة التي يستحق فيها الكلام أن يولد، واللحظة التي يكون فيها الصمت أكثر رحمة، وأكثر حكمة، وأكثر احترامًا لأنفسنا. ومن هنا… يبدأ نبض القلم.

 

 

منذ سنوات، كان الناس يعتقدون أن الإنسان القوي هو الأكثر قدرة على الرد، والأسرع في الدفاع عن نفسه، والأعلى صوتًا في كل نقاش. لكن الحياة، وهي المعلم الذي لا يجامل أحدًا، تكشف لنا مع مرور الأيام أن القوة ليست دائمًا فيما نقول، بل كثيرًا ما تكون فيما نختار ألا نقوله.

 

كم من كلمة خرجت في لحظة غضب، هدمت علاقة استغرقت سنوات حتى بُنيت. وكم من رد ظن صاحبه أنه انتصر به، ثم اكتشف بعد أيام أنه خسر احترامه لنفسه قبل أن يخسر الآخرين.

 

ولهذا، لا يكون الصمت دائمًا علامة ضعف، كما يظن البعض. فهناك صمت يولد من العجز، نعم، لكن هناك أيضًا صمت يولد من الحكمة، ومن النضج، ومن إدراك عميق أن بعض المعارك لا تستحق أن نخوضها، وأن بعض الأشخاص لا يستحقون أن نمنحهم من وقتنا أو مشاعرنا أو حتى كلماتنا.

 

في مجتمعنا، أصبحنا نعيش سباقًا غريبًا لإثبات أننا على حق. الجميع يريد الكلمة الأخيرة، والجميع يبحث عن الانتصار في كل نقاش، حتى لو خسر في الطريق صديقًا، أو قريبًا، أو أخًا.

وكأن الاعتراف بالخطأ هزيمة، وكأن الصمت اعتراف بالعجز.

 

لكن الحقيقة مختلفة تمامًا.

 

فالصمت أحيانًا هو أعلى درجات الثقة بالنفس.

 

عندما تعرف قيمتك، لن تشعر بالحاجة إلى تبرير كل موقف، ولن ترى أن من واجبك الرد على كل إساءة أو تصحيح كل فكرة خاطئة قيلت عنك. ستدرك أن الأيام تفعل ما تعجز عنه الكلمات، وأن الحقيقة لا تحتاج دائمًا إلى محامٍ يدافع عنها.

 

كم مرة انشغلنا بالرد على أشخاص لن يقتنعوا مهما قلنا؟ وكم أهدرنا من أعمارنا في نقاشات لم تغيّر رأيًا، ولم تصلح قلبًا، ولم تضف إلى حياتنا إلا مزيدًا من الإرهاق؟

 

هناك أناس لا يبحثون عن الحقيقة، بل يبحثون عن خصم. فإذا وجدوا من يجادلهم، أطالوا الجدال.

وإذا وجدوا من يرد عليهم، ازدادوا عنادًا. أما حين يقابلهم الصمت، فإنهم يواجهون أنفسهم للمرة الأولى.

 

ولعل أصعب أنواع الصمت هو ذلك الذي نلجأ إليه مع من نحب. ليس لأن الكلام انتهى، بل لأننا تعبنا من تكراره دون أن يجد أذنًا تسمع، أو قلبًا يفهم.

فليس كل صامت لا يملك ما يقوله، بل قد يكون في داخله آلاف الكلمات التي قرر أن يدفنها حفاظًا على ما تبقى من كرامته.

 

وكم من علاقة انتهت قبل أن تُعلن نهايتها، ليس بسبب مشكلة كبيرة، ولكن لأن أحد الطرفين صمت طويلًا، بينما كان الآخر منشغلًا عن ملاحظة ذلك الصمت. فالصمت، في كثير من الأحيان، ليس غيابًا للكلام، بل صرخة لا يسمعها إلا من يحب بصدق.

 

ومع ذلك، ليس كل صمت محمودًا.

 

فالصمت عن الحق جبن، والصمت أمام الظلم مشاركة فيه، والصمت الذي يمنع كلمة طيبة يحتاجها إنسان قد يكون خسارة لا تعوض. لذلك فالحكمة ليست في الصمت وحده، ولا في الكلام وحده، وإنما في معرفة متى نتكلم، ولماذا نتكلم، ومتى نصمت، ولماذا نصمت؟.

 

لقد علمتنا الحياة أن الكلمات مسؤولية. وأن الجملة التي نخرجها لا يمكن أن نعيدها إلى أفواهنا مرة أخرى.

لذلك كان العقلاء أقل الناس حديثًا، وأكثرهم تأثيرًا.

لم يكونوا يصمتون لأنهم لا يعرفون ماذا يقولون، بل لأنهم كانوا يعرفون قيمة الكلمة.

 

ولعلنا اليوم أحوج ما نكون إلى هذا النوع من الصمت؛ الصمت الذي يسبق التفكير، لا الصمت الذي يقتل المشاعر.

الصمت الذي يمنع الخصام، لا الصمت الذي يصنع الجفاء. الصمت الذي يحفظ الكرامة، لا الصمت الذي يدفن الحقوق.

 

ولأن الدنيا لا تتوقف عند أحد، سنكتشف يومًا أن كثيرًا من المعارك التي استنزفت أعصابنا لم تكن تستحق دقيقة واحدة من أعمارنا، وأن أجمل القرارات التي اتخذناها كانت تلك التي قلنا فيها لأنفسنا: لن أرد… وسأمضي.

 

فليس كل من رفع صوته انتصر، وليس كل من صمت انهزم. فهناك صمت يشبه الوقار، وصمت يشبه الدعاء، وصمت يكتب نهاية خلاف، وبداية سلام مع النفس.

✍️ #صفاء_الليثي

سلسلة: #نبض_القلم

#صفاء_الليثي #نبض_القلم #مقال_الجمعة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى