صفاء الليثي تكتب: حين نعيش بين الناس… ولا نعرف كيف نلتقي
صفاء الليثي تكتب: حين نعيش بين الناس… ولا نعرف كيف نلتقي
نبض القلم | حين نعيش بين الناس… ولا نعرف كيف نلتقي
نحن لا نعيش وحدنا.
هذه حقيقة تبدو بسيطة إلى الحد الذي يجعلنا لا نفكر فيها، لكنها ربما تكون واحدة من أعقد حقائق الحياة.
منذ اللحظة التي يولد فيها الإنسان، تبدأ حوله شبكة لا تنتهي من العلاقات؛ أسرة، جيران، زملاء، أصدقاء، معلمون، عابرون، وجوه نلتقي بها مرة واحدة، وأخرى تمر بنا كل يوم دون أن نعرف عنها شيئًا.
نحن نعيش وسط البشر…
لكن العجيب أننا، رغم كل هذا الزحام، قد نقضي أعمارًا كاملة دون أن نتعلم كيف نلتقي بالآخر.
وهنا يبدأ نبض القلم…
ليس الحديث اليوم عن علاقة بعينها، ولا عن شخص بعينه، ولا عن حكاية انتهت أو أخرى بدأت.
إنما عن ذلك الشيء الغامض الذي يحدث بين إنسان وإنسان…
ذلك المسافة التي لا تُقاس بالأمتار، وإنما بطريقة النظر، ونبرة الكلام، وفهم الاختلاف، واحترام الحدود، والقدرة على أن نرى الآخر كما هو، لا كما نريد له أن يكون.
—
في علم النفس الاجتماعي، الإنسان لا يتعامل مع الآخرين كما هم دائمًا، بل كما يفسرهم.
وهذه نقطة تستحق أن نتوقف عندها.
فالعقل لا يستقبل تصرفات الناس مجردة.
إنه يحاول أن يمنحها معنى.
ابتسامة تصبح في ذهن شخص ترحيبًا، وفي ذهن آخر مجاملة.
الصمت قد يكون عند أحدهم هدوءًا، وعند آخر تكبرًا.
الاختلاف قد يكون عند إنسان دليلًا على التنوع، وعند آخر تهديدًا يجب مقاومته.
وهنا تبدأ واحدة من أكثر مشكلات العلاقات الإنسانية شيوعًا:
أننا لا نتعامل مع الحدث وحده…
بل مع القصة التي صنعناها حول الحدث.
قد يقول إنسان كلمة عابرة.
فيأخذها آخر، يضعها داخل ذاكرته، ويربطها بموقف قديم، ثم يضيف إليها ظنًا، ثم يبني فوق الظن تفسيرًا، ثم يصبح التفسير عنده حقيقة.
وبعد قليل…
لم يعد يتعامل مع الكلمة التي قيلت.
بل مع الحكاية التي صنعها عقله عنها.
—
وهنا تكمن غرابة الإنسان.
نحن لا نرى العالم كما هو تمامًا…
نراه من خلال تجاربنا.
من خلال ما تعلمناه.
من خلال مخاوفنا.
ومن خلال الصور التي تكونت في داخلنا عن الناس والحياة.
ولهذا يمكن لشخصين أن يعيشا الموقف نفسه، ثم يخرجا منه بحكايتين مختلفتين تمامًا.
ليس بالضرورة لأن أحدهما يكذب.
بل لأن كل إنسان يحمل بداخله عدسة خاصة يرى بها العالم.
والحكمة ليست أن نكسر عدسة الآخر…
بل أن نتذكر أن عدستنا نحن أيضًا ليست الحقيقة كلها.
—
كم مشكلة بدأت لأن إنسانًا ظن أنه فهم إنسانًا آخر؟
كم كلمة أُعطيت أكبر من حجمها؟
كم موقفًا صغيرًا أصبح كبيرًا لأن أحدًا لم يسأل قبل أن يحكم؟
وكم مرة تحول السؤال البسيط:
«ماذا كنت تقصد؟»
إلى صمت طويل؟
نحن نعيش في زمن سريع جدًا.
حتى أحكامنا أصبحت سريعة.
نرى مشهدًا…
فنحكم.
نسمع جملة…
فنفسر.
نقرأ موقفًا…
فنضع له عنوانًا.
ثم نتحرك وكأننا امتلكنا الحقيقة كاملة.
مع أن الإنسان نفسه…
كائن معقد إلى درجة لا تسمح بأن تختصره لحظة واحدة.
—
والعلاقات الإنسانية لا تحتاج دائمًا إلى مزيد من الكلام.
أحيانًا تحتاج إلى مساحة.
مساحة تسمح للآخر أن يكون مختلفًا دون أن يتحول اختلافه إلى اتهام.
أن يصمت دون أن نعتبر صمته إساءة.
أن يرفض دون أن نعتبر رفضه عداء.
أن يخطئ دون أن نمحو كل ما فيه من خير بسبب خطأ واحد.
أن يتغير دون أن نشعر أن تغيره إهانة لنا.
فالإنسان ليس تمثالًا.
والعلاقات التي تطلب من البشر أن يظلوا كما عرفناهم في أول يوم…
علاقات تطلب المستحيل.
نحن نتغير.
تتغير أفكارنا.
تتغير أولوياتنا.
تتغير قدرتنا على الاحتمال.
وتتغير نظرتنا إلى الأشياء.
وهذا ليس دائمًا خيانة للماضي…
قد يكون ببساطة اسمه: النمو.
—
لكن هناك فرقًا دقيقًا بين أن نفهم اختلاف الإنسان…
وأن نبرر كل شيء.
الفهم لا يعني الموافقة.
والرحمة لا تعني إلغاء الحدود.
والاحترام لا يعني أن نتنازل عن كرامتنا.
والتسامح لا يعني أن تصبح الأخطاء بلا قيمة.
وهنا نصل إلى شيء آخر من أعقد أشياء العلاقات:
الحدود.
الحدود ليست جدرانًا بين البشر.
الحدود هي اللغة التي تقول:
هذا أنا…
وهذا أنت.
لك مساحتك…
ولي مساحتي.
لك حق الاختلاف…
ولي حق الاختيار.
لك أن تقول «لا»…
ولي أيضًا أن أقولها.
وحين يفهم الإنسان هذه المعادلة، تصبح العلاقات أكثر نضجًا.
لأن العلاقة الصحية ليست التي يذوب فيها إنسان داخل إنسان…
بل التي يستطيع فيها اثنان أن يلتقيا دون أن يفقد أي منهما نفسه.
—
والأجمل في العلاقات الإنسانية أن الإنسان لا يحتاج إلى أن يكون متشابهًا مع الآخرين حتى يعيش معهم.
نحن لا نحتاج إلى نسخة أخرى من أنفسنا.
نحتاج إلى أن نتعلم فن الاختلاف.
أن نفهم أن الناس ليسوا مطالبين بأن يروا الأشياء بأعيننا.
وأن اختلاف الرأي لا يحتاج إلى معركة.
وأن اختلاف الطباع لا يعني فساد الطباع.
وأن اختلاف الأولويات لا يعني سوء النية.
وأن الإنسان الذي لا يشبهنا…
ليس بالضرورة ضدنا.
ربما فقط ينظر إلى الحياة من نافذة أخرى.
—
ومع ذلك…
هناك ظاهرة إنسانية غريبة تستحق التأمل.
نحن أحيانًا نطلب من الآخرين ما لا نفعله نحن.
نريد أن يُفهم صمتنا، ولا نفهم صمت غيرنا.
نطلب ألا يُساء تفسير كلامنا، ثم نفسر كلام الآخرين بأشد الاحتمالات.
نريد لأنفسنا فرصة ثانية، ولا نمنحها لغيرنا.
نحب أن تُراعى ظروفنا، وننسى أن للآخرين ظروفًا لا نعرفها.
وكأن الإنسان، في لحظات كثيرة، يضع نفسه في مركز الصورة دون أن يشعر.
وهذا ليس شرًا بالضرورة…
إنه جزء من طبيعة بشرية تحتاج إلى وعي حتى تتوازن.
فالوعي الحقيقي يبدأ عندما يستطيع الإنسان أن يسأل نفسه:
ماذا لو كنت أرى نصف الصورة فقط؟
—
ربما لهذا كانت أجمل العلاقات الإنسانية ليست تلك التي تخلو من الاختلاف…
بل تلك التي تعرف كيف تعبر الاختلاف دون أن تهدم الجسور.
ليس المهم ألا نختلف.
المهم ماذا نفعل عندما نختلف.
هل نبحث عن الحقيقة؟
أم نبحث عن الانتصار؟
هل نريد أن نفهم؟
أم نريد فقط أن نثبت أننا على حق؟
هل نسمع الطرف الآخر؟
أم ننتظر دوره في الكلام حتى نرد؟
هناك فرق هائل بين أن تسمع إنسانًا…
وأن تنصت إليه.
الأذن تستقبل الصوت.
أما الإنصات…
فيحاول أن يصل إلى المعنى.
—
ولعل أكثر ما ينقص علاقاتنا اليوم ليس التواصل…
بل الإنصات.
نحن نتحدث كثيرًا.
نشرح كثيرًا.
نكتب كثيرًا.
نعرض آراءنا في كل شيء.
لكن هل نتوقف فعلًا لنفهم؟
هل نستطيع أن نجلس أمام فكرة لا تشبهنا دون أن نشعر أنها تهددنا؟
هل نستطيع أن نختلف مع إنسان ونظل نحترمه؟
هل نستطيع أن نكتشف أننا أخطأنا دون أن نشعر أن الاعتراف بالخطأ يقلل من قيمتنا؟
ربما هذه الأسئلة تبدو بسيطة…
لكنها في الحقيقة تكشف الكثير عن نضج الإنسان.
—
والإنسان الناضج ليس من لا يخطئ في علاقاته.
فهذا مستحيل.
الناضج هو من يعرف أن الآخرين ليسوا كتبًا مفتوحة، وأن ما لا يعرفه عنهم أكثر مما يعرفه.
هو الذي يترك مساحة لاحتمال آخر.
ولا يحول الظن إلى يقين.
ولا يجعل موقفًا واحدًا تعريفًا كاملًا لإنسان.
ولا يختصر عمرًا طويلًا في لحظة.
ولا يجعل اختلافًا عابرًا سببًا لإلغاء كل ما عداه.
لأن البشر…
أوسع من مواقفهم.
وأعمق من كلماتهم.
وأكثر تعقيدًا من الأحكام السريعة التي نضعها عليهم.
—
وربما أجمل ما يمكن أن نتعلمه من كل ذلك…
أن العلاقات الإنسانية ليست امتحانًا يبحث فيه الجميع عن إجابة واحدة.
إنها مساحة نتعلم فيها كل يوم كيف نكون بشرًا وسط بشر.
نخطئ.
ونتعلم.
نقترب.
ونبتعد.
نختلف.
ونفهم.
نقول أشياء في غير وقتها.
ونكتشف بعد سنوات لماذا كان ينبغي أن نصمت.
نحكم سريعًا…
ثم تعلمنا الحياة أن التريث كان أكثر عدلًا.
نظن أننا نعرف…
ثم تأتي الأيام لتكشف لنا أن المعرفة الحقيقية تبدأ من الاعتراف بأننا لا نعرف كل شيء.
وربما لهذا السبب…
كلما كبر الإنسان، قلّت رغبته في الحكم على الآخرين.
ليس لأنه أصبح أكثر تساهلًا…
بل لأنه أصبح أكثر فهمًا لتعقيد البشر.
أصبح يعرف أن وراء كل سلوك قصة.
ووراء كل صمت سببًا محتملًا.
ووراء كل اختلاف عالمًا كاملًا لا يراه.
وأصبح يعرف أيضًا…
أن الإنسان الذي نقف أمامه اليوم ليس بالضرورة الإنسان نفسه الذي عرفناه بالأمس.
فماذا يحدث حين تتغير نظرتنا إلى الناس؟
وماذا يحدث حين نكتشف أن بعض ما اعتبرناه حقيقة طوال سنوات…
لم يكن إلا تفسيرًا صنعناه نحن؟
وهل يمكن لعلاقاتنا أن تتغير فعلًا…
إذا تغيرت أولًا الطريقة التي ننظر بها إلى الإنسان؟
ربما هنا تحديدًا…
تبدأ الحكاية الأخرى.
وهنا يبدأ نبض القلم…
يتبع.




