عاجل | تحذيرات من فيروس كورونا جديد في الخفافيش.. هل يهدد البشر؟ تفاصيل ما نعرفه عن HKU5-CoV-2
أثار فيروس كورونا جديد تم رصده في الخفافيش اهتماما متزايدا لدى الباحثين وخبراء الفيروسات، بعدما أظهرت تجارب علمية قدرته على استخدام مستقبل موجود في الخلايا البشرية للدخول إليها، وهو المستقبل نفسه الذي يستغله فيروس SARS-CoV-2 المسبب لمرض كوفيد-19.
والفيروس محل الاهتمام يحمل اسم HKU5-CoV-2، وينتمي إلى مجموعة من فيروسات كورونا تعرف باسم «ميربيكوفيروسات»، وهي المجموعة التي تضم أيضا فيروس متلازمة الشرق الأوسط التنفسية «MERS-CoV».
ورغم أن الحديث عن الفيروس أعاد إلى الأذهان بدايات جائحة كورونا، فإن المعطيات العلمية الحالية لا تعني وجود جائحة جديدة أو انتقال الفيروس بين البشر، إذ لم يتم حتى الآن إثبات انتقال بشري مستمر لـ HKU5-CoV-2، ولا توجد أدلة على انتشار وبائي له بين السكان.
ما قصة الفيروس الجديد؟
ظهر HKU5-CoV-2 في دراسة علمية نُشرت في مجلة Cell عام 2025، بعد أن تمكن باحثون من تحديد سلالة متميزة من فيروسات HKU5 الموجودة في الخفافيش.
وأظهرت الدراسة أن هذه السلالة تختلف عن السلالات السابقة من HKU5، ولذلك أطلق عليها الباحثون اسم HKU5-CoV-2، أو «السلالة الثانية من HKU5».
واللافت في نتائج الدراسة أن الفيروس استطاع استخدام مستقبل ACE2 البشري كوسيلة للدخول إلى الخلايا.
ومستقبل ACE2 هو أحد المستقبلات الموجودة على سطح العديد من الخلايا البشرية، وكان استخدامه للدخول إلى الخلايا من السمات الأساسية لفيروس SARS-CoV-2 المسبب لكوفيد-19.
لكن التشابه في استخدام المستقبل لا يعني أن الفيروسين متطابقان، ولا يعني تلقائيا أن HKU5-CoV-2 قادر على الانتقال بين البشر بالطريقة نفسها التي انتشر بها كوفيد-19.
هل يستطيع الفيروس إصابة خلايا الإنسان؟
هنا تكمن النقطة التي دفعت العلماء إلى مراقبة الفيروس باهتمام.
ففي التجارب المعملية، تمكن HKU5-CoV-2 من إصابة خلايا بشرية تحمل مستقبل ACE2، كما تمكن الباحثون من رصد قدرته على إصابة نماذج مخبرية تحاكي أنسجة الجهاز التنفسي والجهاز الهضمي لدى الإنسان.
وأظهرت الدراسة الأصلية أن الفيروس لديه قدرة على الارتباط بمستقبل ACE2 البشري بطريقة مختلفة عن بعض فيروسات كورونا الأخرى، كما أن لديه نطاقا واسعا نسبيا من العوائل التي يمكنه التفاعل معها.
وهذه النتائج مهمة علميا لأنها تكشف أن بعض فيروسات كورونا الموجودة في الحيوانات قد تمتلك بالفعل أجزاء من الآلية اللازمة للتكيف مع خلايا الإنسان.
لكن هناك فارقا أساسيا بين القدرة على إصابة خلايا بشرية في المختبر وبين قدرة الفيروس على الانتقال بين البشر في الحياة الواقعية.
حتى الآن، لا توجد أدلة تثبت أن HKU5-CoV-2 أصبح فيروسًا بشريا منتشرا.
لماذا يتحدث العلماء عن خطر انتقال الفيروس من الحيوانات إلى الإنسان؟
يطلق العلماء على انتقال فيروس من الحيوان إلى الإنسان اسم «الانتقال الحيواني المنشأ» أو Spillover.
وتكمن المخاوف في أن فيروسات كورونا تمتلك قدرة كبيرة على التغير الجيني، كما يمكن أن تحدث بينها عمليات إعادة تركيب جيني تؤدي إلى ظهور خصائص جديدة.
وفي حالة HKU5-CoV-2، كشفت دراسة أخرى نُشرت عام 2025 عن وجود مناطق في البروتين الشوكي للفيروس يمكن أن تشهد عمليات إعادة تركيب جيني، من بينها مناطق مرتبطة بموقع ارتباط الفيروس بمستقبل ACE2 وموقع يعرف باسم موقع انقسام الفورين FCS.
وتشير النتائج إلى أن مثل هذه التغيرات قد تؤثر في قدرة الفيروس على التفاعل مع العائل، إلا أن الباحثين أكدوا أن التأثير الفعلي لهذه التغيرات على قابلية انتقال الفيروس بين البشر ما زال يحتاج إلى مزيد من الدراسات.
ماذا يعني وجود موقع انقسام الفورين؟
أثار الحديث عن FCS كثيرا من الجدل في التقارير المتداولة، ولذلك يجب توضيح الأمر.
موقع انقسام الفورين هو جزء من البروتين الشوكي لبعض فيروسات كورونا، ويمكن أن يكون له دور في عملية دخول الفيروس إلى الخلية.
وجود مثل هذا الموقع أو حدوث تغيرات فيه لا يعني بمفرده أن الفيروس سيصبح شديد العدوى أو أنه سيؤدي إلى جائحة.
فالقدرة على الانتقال بين البشر تعتمد على مجموعة معقدة من العوامل، تشمل قدرة الفيروس على الارتباط بالخلايا، والتكاثر داخلها، والخروج منها، ومقاومة دفاعات الجسم، ثم الانتقال من شخص إلى آخر بكفاءة.
ولهذا فإن مقارنة HKU5-CoV-2 مباشرة بفيروس SARS-CoV-2 على أساس وجود سمة جزيئية واحدة قد تعطي انطباعا مضللا عن مستوى الخطر.
هل انتقل الفيروس بالفعل إلى البشر؟
حتى الآن، لا توجد حالات بشرية مؤكدة مرتبطة بـ HKU5-CoV-2، ولا توجد أدلة منشورة تثبت وجود انتقال مستمر من إنسان إلى آخر.
وهذه النقطة هي الأهم في تقييم الوضع الحالي.
فالدراسات العلمية أثبتت وجود قابلية بيولوجية للارتباط بالخلايا البشرية وإصابتها في المختبر، لكنها لم تثبت أن الفيروس نجح في عبور الحاجز الحيواني وانتشر بين البشر.
وقد أكدت مراجعات علمية تناولت الفيروس أن الانتقال البشري لم يتم إثباته حتى الآن، مع استمرار اعتبار الفيروس موضوعا مهما للمراقبة والبحث العلمي.
هل نحن أمام «متحور جديد من كورونا»؟
التعبير يحتاج إلى قدر من الدقة.
HKU5-CoV-2 ليس مجرد متحور جديد من SARS-CoV-2 الذي تسبب في جائحة كوفيد-19، وإنما هو فيروس كورونا مختلف ينتمي إلى مجموعة أخرى من فيروسات كورونا.
ولهذا فإن استخدام عبارات مثل «متحور كورونا الجديد» في بعض العناوين قد يوحي للقارئ بأنه أحد فروع فيروس كوفيد-19 المعروف، وهو أمر غير دقيق علميا.
الأدق هو وصفه بأنه فيروس كورونا مكتشف في الخفافيش وله خصائص تثير اهتمام العلماء بسبب قدرته على استخدام مستقبل ACE2 البشري.
وماذا عن التقارير التي تتحدث عن وجوده في البرازيل؟
ظهرت في بعض التغطيات الحديثة صياغات تربط HKU5-CoV-2 بفيروس كورونا في البرازيل، لكن الدراسة الأصلية التي عرّفت HKU5-CoV-2 تحدثت عن فيروسات عُزلت من خفافيش في مقاطعة غوانغدونغ الصينية.
وفي المقابل، ظهرت بالفعل دراسة منفصلة عام 2026 حول فيروس كورونا مرتبط بـMERS جرى اكتشافه في خفافيش بجنوب البرازيل، وهو ما قد يكون أحد أسباب الخلط بين الأخبار المختلفة المتعلقة بفيروسات كورونا الموجودة في الخفافيش.
ماذا يقول الخبراء عن مستوى الخطر؟
المعطيات الحالية لا تشير إلى وجود خطر وبائي مباشر على البشر من HKU5-CoV-2.
وقد نقلت تقارير حديثة عن الدكتور غاريث ناي، من جامعة سالفورد البريطانية، أن الفيروس في وضعه الحالي أقل فعالية بكثير من فيروس كوفيد-19، وأن الخطر المباشر منه منخفض في الوقت الراهن.
لكن انخفاض الخطر الحالي لا يعني أن الفيروس غير مهم.
فالاهتمام العلمي ينصب على مراقبة قدرته على التغير والتكيف، خصوصا أن فيروسات كورونا الموجودة في الحيوانات يمكن أن تتطور بمرور الوقت، وقد تؤدي التغيرات الجينية إلى اختلاف قدرتها على إصابة عوائل جديدة.
لماذا تظل الخفافيش تحت المراقبة العلمية؟
الخفافيش تعد من أهم المستودعات الطبيعية لعدد كبير من الفيروسات، ومن بينها أنواع مختلفة من فيروسات كورونا.
ولا يعني اكتشاف فيروس في الخفافيش أنه سينتقل بالضرورة إلى البشر.
لكن الخطر يظهر عندما تتوافر سلسلة من الظروف التي تسمح للفيروس بالوصول إلى الإنسان، ثم التكيف مع الخلايا البشرية والتكاثر فيها والانتقال من شخص إلى آخر.
ولهذا تركز الدراسات الحديثة على اكتشاف الفيروسات قبل ظهورها في البشر، بدلا من انتظار حدوث انتشار واسع ثم البدء في البحث عن مصدره.
هل يمكن أن يتحول HKU5-CoV-2 إلى جائحة؟
لا يمكن في الوقت الحالي الجزم بذلك، ولا توجد بيانات علمية تسمح بالقول إن الفيروس يتجه بالفعل إلى إحداث جائحة جديدة.
فالفرق كبير بين امتلاك فيروس خصائص قد تساعده نظريا على إصابة خلايا بشرية وبين امتلاكه القدرة الفعلية على الانتقال بكفاءة بين البشر.
والمرحلة الحالية بالنسبة إلى HKU5-CoV-2 هي مرحلة المراقبة والتقييم العلمي، وليس مرحلة تفشي وبائي مثبت.
لماذا تثير هذه الأخبار القلق رغم عدم وجود إصابات بشرية؟
السبب أن العلماء يحاولون الاستفادة من دروس جائحة كوفيد-19.
وأظهرت أبحاث HKU5-CoV-2 أن فيروسات موجودة في الحيوانات يمكن أن تمتلك بعض الخصائص التي تسمح لها بالتفاعل مع خلايا الإنسان.
كما أظهرت الدراسات أن التطور الجيني وإعادة التركيب يمكن أن يؤثرا في خصائص البروتين الشوكي ومناطق مهمة من الفيروس، وهو ما يجعل مراقبة هذه الفيروسات قبل انتقالها إلى البشر جزءا من الاستعداد للأوبئة المستقبلية.
الخلاصة
القصة ليست ظهور «كوفيد جديد» أو إعلان جائحة جديدة، وإنما اكتشاف فيروس كورونا في الخفافيش يحمل خصائص تستحق الدراسة والمراقبة.
فالاسم العلمي HKU5-CoV-2 أصبح محل اهتمام بسبب قدرته في التجارب المعملية على استخدام مستقبل ACE2 البشري وإصابة نماذج من الخلايا والأنسجة البشرية.
وفي المقابل، لا توجد حتى الآن أدلة على انتقاله بصورة مستمرة بين البشر، ولا توجد بيانات تثبت أنه أصبح منتشرا بين السكان.
وبالتالي فإن الصورة العلمية الحالية تجمع بين اهتمام واحتياط بحثي كبيرين وبين عدم وجود دليل على تفش بشري للفيروس.
ويبقى الهدف الرئيسي للباحثين هو فهم الفيروسات التي تعيش في الحيوانات، ورصد التغيرات التي يمكن أن تجعل بعضها أكثر قدرة على الانتقال إلى الإنسان، بحيث يمكن اكتشاف أي خطر محتمل في مرحلة مبكرة قبل أن يتحول إلى أزمة صحية عالمية.





