🪙 الذهب: 6,200 ج.م
سعر الذهب اليوم
6,200 ج.م
الذهاب للصفحة
💵 الدولار: 53.48
أسعار العملات
الدولار الأمريكي 53.48
اليورو الأوروبي 59.88
الذهاب للصفحة
🕌 الصلاة: الظهر
مواقيت الصلاة - القاهرة
الفجر 5:31 AM
الشروق 6:57 AM
الظهر 12:41 PM
العصر 3:58 PM
المغرب 6:23 PM
العشاء 7:41 PM
الذهاب للصفحة
☀️ القاهرة: 26°
الطقس الآن - القاهرة
26°
الحالة سماء صافية
الرطوبة 40%
الرياح 4 م/ث
الذهاب للصفحة
عاجل
تقارير

من البحر الأسود إلى مناطق الحروب.. بحارة مصريون دفعوا ثمن لقمة العيش بأرواحهم وأحلام أسرهم.. فيديوهات

من البحر الأسود إلى مناطق الحروب.. بحارة مصريون دفعوا ثمن لقمة العيش بأرواحهم وأحلام أسرهم.. فيديوهات 

#تقرير_صفاء_الليثي

لم يعد البحر بالنسبة إلى بعض البحارة المصريين مجرد طريق يحمل السفن والبضائع بين الموانئ، بل أصبح في السنوات الأخيرة ساحة مفتوحة للخطر، تتقاطع فيها الحرب مع الأمواج، وتتحول رحلة العمل التي تبدأ بحقيبة صغيرة ووداع سريع للأهل إلى انتظار طويل لا تعرف الأسرة خلاله هل سيعود الأب أو الابن، أم ستعود متعلقاته فقط.

 

ومنذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير 2022، فرض البحر الأسود نفسه كواحد من أخطر مسارات الملاحة التي تمر بها السفن التجارية، بعدما امتدت العمليات العسكرية إلى الموانئ والمناطق البحرية المحيطة بها، وأصبحت السفن المدنية وأطقمها من جنسيات مختلفة عرضة للضربات والطائرات المسيّرة والحرائق والغرق.

 

وفي مقدمة هؤلاء البحارة مصريون خرجوا من محافظات مختلفة بحثًا عن العمل، ليجد بعضهم نفسه في قلب صراع عسكري لا علاقة له به، بينما بقيت أسرهم في مصر تتابع الأخبار وتنتظر مكالمة أو عودة جثمان أو حتى مجرد معلومة تطمئنها على مصير الغائب.

 

ومن أبرز الوقائع التي شهدها البحر الأسود في السنوات الأخيرة حادث السفينة «بياتا» بالقرب من مدينة ترابزون التركية في ديسمبر 2022، عندما اندلع حريق بالسفينة التي كان على متنها عدد من البحارة المصريين. وأسفر الحادث عن وفاة المهندس البحري المصري محمد القاسم متأثرًا بإصاباته، بينما استمرت عمليات البحث عن بحار مصري آخر كان قد فُقد بعد قفزه إلى المياه. وكانت السفينة تضم 14 مصريًا ضمن طاقمها، وتلقى عدد من الناجين العلاج في المستشفيات التركية.

 

لكن السنوات التالية حملت وقائع أشد قسوة، مع تحول مناطق الملاحة القريبة من أوكرانيا وروسيا إلى مناطق عالية الخطورة.

 

وفي يوليو 2026، تعرضت سفينة الشحن «AIDA» لقصف أثناء وجودها في ميناء بيفديني الأوكراني، وأسفر الهجوم عن مقتل ثلاثة من أفراد الطاقم، بينهم بحار مصري يعمل كبيرًا للضباط، إلى جانب بحارين سوريين. وأكدت المصادر المصرية أن السفينة كانت سفينة تجارية ترفع علم توجو، ولا علاقة لها بالسفينة المصرية «عايدة 4».

 

وكان من بين ضحايا هذا الحادث إبراهيم محمد عطية، من محافظة كفر الشيخ، الذي أصبح واحدًا من المصريين الذين دفعوا حياتهم ثمنًا للعمل في البحر بعيدًا عن وطنهم. وتابعت الجهات المصرية إجراءات نقل جثمانه وإنهاء الإجراءات الخاصة بالحادث.

 

وبعد ذلك جاء حادث السفينة «NORAN» في سبتمبر 2026، عندما تعرضت السفينة لهجوم بست طائرات مسيّرة في البحر الأسود داخل المياه الروسية، ما أدى إلى وفاة قائدها المصري الربان السعيد عبد العزيز سلامة، بينما نجا ثمانية بحارة مصريين كانوا على متن السفينة وعادوا إلى مصر. ووصل جثمان القبطان إلى القاهرة في أكتوبر، ثم شيعت جنازته في مسقط رأس عائلته بمحافظة كفر الشيخ.

 

وكانت شهادة البحار الناجي فارس محمد السيد عطية كاشفة عن حجم الخطر الذي واجهه الطاقم؛ إذ روى أن القبطان السعيد ظل في غرفة القيادة محاولًا إنقاذ السفينة، رغم مناشدة زملائه له بالنزول والاحتماء، إلى أن أصابت المسيرات غرفة القيادة وفارق حياته.

 

ثم جاءت مأساة جديدة في أكتوبر، وهذه المرة ارتبط اسم أحد الضحايا بمحافظة سوهاج، وتحديدًا مركز البلينا.

 

إنه المهندس البحري محمود كمال عبد العاطي، ابن قرية بني حميل بمركز البلينا، الذي كان يعمل على متن السفينة السورية «M.V. ALFA WATAN».

 

كان محمود قد خرج من قريته منذ فترة قصيرة متجهًا إلى عمله، وهو العمل الذي اعتاد أن يبعده عن أسرته فترات طويلة. حصل على تعليمه في قريته، ثم التحق بالأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري، قسم الهندسة البحرية، وتخرج ليبدأ حياته المهنية في البحر.

 

لكن الرحلة الأخيرة لم تكن كغيرها.

 

تعرضت السفينة «ألفا وطن» لهجوم في البحر الأسود قبالة السواحل البلغارية، وانقطعت أخبار طاقمها، بينما بدأت أسرة محمود تعيش أصعب ساعات الانتظار.

 

كان محمود زوجًا وأبًا لطفلين، حور، البالغة من العمر 3 سنوات، ومحمد، الذي لم يتجاوز عامًا واحدًا، وكانت زوجته حاملًا في طفلهما الثالث.

 

وفي منزل الأسرة، لم يكن السؤال عن موعد عودة الأب من رحلته البحرية، وإنما تحول إلى سؤال أكثر قسوة: هل سيعود محمود أم لا؟

 

والده، الذي خرج إلى المعاش، عاش أيامًا من القلق وهو يناشد المسؤولين معرفة مصير نجله، بينما كانت زوجته الحامل وطفلاه ينتظرون خبرًا يطمئنهم.

 

وفي 8 أكتوبر أعلنت النقابة المهنية للضباط البحريين وقف عمليات البحث والإنقاذ عن طاقم السفينة «ألفا وطن»، التي كان على متنها عشرة بحارة، تسعة سوريين ومصري واحد، وأعلنت وفاة المهندس المصري محمود كمال عبد العاطي من مركز البلينا بمحافظة سوهاج.

 

ولم تتوقف المأساة عند «ألفا وطن».

 

بعد أيام قليلة فقط، وتحديدًا في 13 أكتوبر 2026، تعرضت السفينة السورية «HS DIGNITY» لهجوم في البحر الأسود قبالة السواحل البلغارية، وكان على متنها 16 بحارًا، بينهم مصريان و14 سوريًا.

تعرضت السفينة خلال نحو ربع ساعة لثلاث ضربات متتالية، بينها ضربة بطائرة مسيّرة وضربتان بواسطة زوارق، وغرقت خلال نحو خمس دقائق.

 

وكان بين المصريين على متنها القبطان أشرف ممدوح، كبير الضباط، الذي نجا بعد أن ظل يصارع الأمواج لساعات حتى تمكن أحد المراكب من إنقاذه.

أما المصري الآخر فكان الربان مصطفى الغازي، قائد السفينة، الذي فُقد بعد الغرق.

وتم منذ قليل كف البحث عنه.

مصطفى ليس مجرد اسم في قائمة طاقم سفينة؛ وراءه أم وزوجة وثلاثة أطفال، جميعهم في مراحل تعليمية مختلفة. وقال شقيقه إن الأسرة لم تكن تعرف كيف تخبر الأطفال بفقدان والدهم، وإنها ما زالت تتمسك بالأمل في نجاته.

 

وهنا تظهر واحدة من أكثر الصور قسوة في حياة البحار المصري: قد يغادر منزله وهو يعتقد أنه ذاهب إلى رحلة عمل تمتد أسابيع أو أشهر، لكن أسرته قد تجد نفسها فجأة أمام حرب أو هجوم أو حريق أو عاصفة، ولا تملك سوى الهاتف تنتظر منه مكالمة.

 

البحار لا يرى الحرب كما يراها الجندي، لكنه قد يجد نفسه في قلب نتائجها.

 

هو لا يحمل سلاحًا، ولا يختار طرفًا في الصراع، ولا تكون مهمته سوى نقل القمح أو البضائع أو العمل داخل غرفة المحركات أو قيادة السفينة، ومع ذلك يمكن أن تصبح سفينته هدفًا في لحظة واحدة.

 

والأخطر أن البحر نفسه لا يمنح فرصة سهلة للنجاة؛ فحتى عندما ينجو البحار من الانفجار، تبدأ معركة أخرى مع الأمواج والرياح وبرودة المياه وبعد المسافات.

 

في حادث «HS DIGNITY»، روى القبطان أشرف ممدوح أن أفراد الطاقم ارتدوا سترات النجاة وقفزوا إلى المياه، بينما تباعدت أطواف النجاة عن بعضها بسبب الأمواج، وظل هو يصارع المياه من نحو الثانية والنصف فجرًا حتى تمكن من رؤية مركب الإنقاذ بعد السادسة صباحًا.

 

وفي حادث «NORAN»، كشف الناجون كيف حاول القبطان السعيد عبد العزيز سلامة إنقاذ السفينة رغم الخطر، حتى استهدفت غرفة القيادة وفارق الحياة.

 

وفي «ألفا وطن»، لم تكن مأساة محمود كمال عبد العاطي مأساة رجل واحد، وإنما مأساة بيت كامل ينتظر أبًا، وزوجة تنتظر مولودًا، وطفلين صغيرين لا يستطيعان فهم معنى أن يخرج الأب للعمل ولا يعود.

 

أما في «AIDA»، فقد أصبحت حياة طفلين، محمد ومكة، مرتبطة بذكرى والدهما إبراهيم محمد عطية الذي فقد حياته أثناء عمله في منطقة حرب.

 

وبينما تتكرر هذه الحوادث، تظل هناك حقيقة لا يمكن تجاهلها: البحار المصري يذهب إلى البحر بحثًا عن لقمة العيش، لكنه في بعض الرحلات يدخل دون أن يقصد إلى أخطر مناطق العالم.

 

والحرب الروسية الأوكرانية ليست وحدها التي رفعت مستوى المخاطر أمام الملاحة الدولية؛ فقد شهد عام 2026 كذلك اضطرابات وهجمات في مناطق أخرى من العالم، بما فيها منطقة الخليج والشرق الأوسط، ما جعل حياة أطقم السفن التجارية أكثر ارتباطًا بتطورات سياسية وعسكرية لا يملكون السيطرة عليها.

 

أما بالنسبة إلى البحارة المصريين، فإن كل اسم من هذه الأسماء يحمل وراءه قصة أسرة كاملة.

 

محمد القاسم ترك وراءه أهلًا ينتظرون عودته.

 

إبراهيم محمد عطية ترك طفلين وأسرة تنتظر جثمانه.

 

السعيد عبد العزيز سلامة عاد إلى مصر جثمانًا بعد أن بقي في غرفة القيادة حتى اللحظة الأخيرة محاولًا إنقاذ سفينته وطاقمها.

 

محمود كمال عبد العاطي من البلينا، ترك زوجة حاملًا وطفلين صغيرين، قبل أن تعلن الجهات المختصة وفاته.

 

أما مصطفى الغازي، فلا تزال قصته تحمل سؤالًا مفتوحًا؛ فهو حتى الآن في عداد المفقودين، وأسرته تنتظر ما يثبت مصيره، فيما يبقى الأمل قائمًا رغم قسوة الحادث.

 

هذه ليست مجرد حوادث بحرية متفرقة، وإنما صفحات من حياة عائلات مصرية وجدت نفسها فجأة في مواجهة كلمة واحدة: البحر.

 

بحر يفتح أبوابه للرزق، لكنه قد يغلقها في لحظة أمام أب أو زوج أو ابن، تاركًا خلفه أطفالًا ينتظرون، وزوجات يواجهن الغياب، وآباء وأمهات لا يريدون سوى إجابة واحدة: أين ذهب أبناؤنا؟

 

وفي كل مرة تخرج سفينة من ميناء مصري أو تمر في مياه منطقة صراع، يبقى البحار المصري يحمل معه دعاء أسرته، وصورة أولاده، وأملًا بسيطًا أن يعود من الرحلة كما خرج منها.

 

لكن قصص السنوات الأخيرة تقول إن طريق البحر لم يعد طريقًا عاديًا، وأن حماية البحارة المدنيين، وتأمين خطوط الملاحة، ومتابعة أوضاع المصريين العاملين في مناطق النزاعات، لم تعد مسألة مهنية فقط، بل أصبحت قضية إنسانية ووطنية تستحق الاهتمام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى