🪙 الذهب: 6,100 ج.م
سعر الذهب اليوم
6,100 ج.م
الذهاب للصفحة
💵 الدولار: 52.36
أسعار العملات
الدولار الأمريكي 52.36
اليورو الأوروبي 58.48
الذهاب للصفحة
🕌 الصلاة: الظهر
مواقيت الصلاة - القاهرة
الفجر 5:27 AM
الشروق 6:53 AM
الظهر 12:42 PM
العصر 4:03 PM
المغرب 6:31 PM
العشاء 7:48 PM
الذهاب للصفحة
☀️ القاهرة: 26°
الطقس الآن - القاهرة
26°
الحالة سماء صافية
الرطوبة 40%
الرياح 4 م/ث
الذهاب للصفحة
عاجل
مقالات

نبض القلم | حين تتغير نظرتنا إلى الآخرين… هل تغيروا حقًا أم تغيرنا نحن؟

نبض القلم | حين تتغير نظرتنا إلى الآخرين… هل تغيروا حقًا أم تغيرنا نحن؟

صفاء الليثي تكتب

نبض القلم | حين تتغير نظرتنا إلى الآخرين… هل تغيروا حقًا أم تغيرنا نحن؟

ثمة أشياء كثيرة تتغير في أعيننا دون أن تتغير في حقيقتها، وأشخاص نظن أننا عرفناهم جيدًا، ثم تمضي الأيام فنكتشف أننا لم نكن نرى منهم إلا ما سمحت لنا رؤيتنا أن نراه.

وبين الحقيقة والصورة مسافة خفية، قد تصنعها تجربة قديمة، أو كلمة عابرة، أو موقف لم نفهمه في حينه، ثم ظل عالقًا في ذاكرتنا حتى أصبح جزءًا من الطريقة التي ننظر بها إلى العالم.

 

كم من وجه ألفناه حتى ظننا أننا نعرف ما وراءه، وكم من صمت أسأنا تفسيره، وكم من موقف منحناه معنى لم يقصده صاحبه، ثم بنينا على ذلك المعنى أحكامًا استقرت في نفوسنا كأنها حقائق لا تقبل المراجعة؟

 

إن الإنسان لا يحمل ذاكرته خلفه فحسب، بل يحملها أمام عينيه أيضًا؛ يرى بها، ويفسر من خلالها، ويقترب من الآخرين أو يبتعد عنهم أحيانًا قبل أن يمنحهم فرصة حقيقية لأن يُعرفوا كما هم.

 

وهنا يبدأ نبض القلم.

 

نحن لا ندخل الحياة بقلوب خالية من الحكايات، ولا نقابل الناس بعقول لم تمسها التجارب.

كل ما مررنا به يترك في داخلنا أثرًا، حتى وإن ظننا أننا تجاوزناه.

كلمة قاسية قد تجعلنا أكثر حساسية تجاه الكلمات، وخذلان قديم قد يجعلنا نبحث عن علامات الخذلان في وجوه لم تؤذنا يومًا، وتجربة مؤلمة قد تقنعنا بأن الحذر هو الطريق الوحيد للنجاة.

 

ومع مرور الوقت، قد يحدث ما هو أبعد من مجرد الحذر؛ تتحول التجربة من ذكرى نحتفظ بها إلى نافذة نطل منها على الجميع، وننسى أن النافذة، مهما اتسعت، لا تمنحنا رؤية العالم كله.

 

فمن خذلته يد امتدت إليه يومًا، قد يتردد في الإمساك بيد أخرى، لا لشيء سوى أن ذاكرته ما زالت تخشى تكرار الوجع. ومن اعتاد أن يُساء فهمه، قد يصمت حين يحتاج إلى الكلام، لأنه تعب من الشرح، ومن تكرر تجاهله قد يتراجع عن الاقتراب، حتى حين يجد أمامه من كان مستعدًا لأن يمنحه مكانًا مختلفًا.

 

وهكذا، دون أن نشعر، قد نعاقب أشخاصًا جددًا على أخطاء لم يرتكبوها، ونحمّل مواقفهم أوزار مواقف قديمة، ونطالبهم بإثبات أنهم مختلفون، قبل أن نمنحهم أصلًا فرصة لأن يكونوا أنفسهم.

 

وهنا تكمن إحدى أكثر المفارقات الإنسانية إيلامًا: أن ما فعلته بنا بعض التجارب قد يدفعنا أحيانًا إلى إفساد تجارب أخرى، وأن الخوف من تكرار الألم قد يحرمنا من فرص لم تكن تحمل الألم في حقيقتها.

 

لكن هل يتغير الآخرون فعلًا، أم أننا نكتشف مع الوقت وجوهًا لم نكن نراها؟

 

ربما يحدث الأمران معًا.

 

فالناس تكشفهم الأيام، لا الكلمات وحدها.

وقد تمنحنا المواقف مفاتيح لفهم طباع لم تكن واضحة، وقد تكشف لنا تصرفات متكررة أن الصورة التي رسمناها يومًا كانت ناقصة، وأن بعض ما حسبناه طيبة لم يكن سوى انطباع أول، وأن بعض ما أسأنا فهمه كان وراءه ما يستحق التريث.

 

لكن هناك فرقًا بين أن تكشف لنا الأيام حقيقة إنسان، وبين أن نسمح لمخاوفنا بأن تكتب عنه حكاية من عندها.

 

الفرق أن الحقيقة تحتاج إلى مواقف، أما الظن فقد تكفيه إشارة.

الحقيقة تتكون أمامنا بمرور الوقت، أما الأحكام المتعجلة فتقفز إلى نهاياتها قبل أن تكتمل الحكاية.

 

ولذلك قد يصبح الإنسان أسيرًا لفكرته عن الآخرين، لا للآخرين أنفسهم. يراقب كلماتهم بحثًا عما يؤكد شكوكه، ويتوقف طويلًا أمام أخطائهم، بينما تمر مواقفهم الطيبة دون أن يمنحها الاهتمام نفسه.

وإذا اعتقد أن أحدهم يتجاهله، قرأ انشغاله دليلًا على الإهمال، وإذا ظن أن آخر لا يحبه، وجد في صمته برهانًا، حتى لو كان الصمت نفسه لا يحمل شيئًا من المعاني التي ألصقها به.

 

ومع تكرار ذلك، تتحول الفكرة إلى قناعة، وتتحول القناعة إلى موقف، ثم يصبح الموقف حاجزًا يمنعنا من اكتشاف الحقيقة.

 

كم من علاقة إنسانية أنهكها سوء الفهم، لا غياب المشاعر؟

وكم من مسافة اتسعت لأن طرفًا انتظر أن يُفهم دون أن يتكلم، بينما انتظر الآخر أن يسمع ما لم يُقَل؟

وكم من كلمة كان يمكن أن تعيد الأمور إلى مواضعها، لكنها لم تجد طريقها إلى النور، لأن كل طرف كان مشغولًا بتفسير صمت الآخر؟

 

إننا أحيانًا لا نخسر الناس لأنهم أرادوا الرحيل، بل لأننا تركنا المساحة بيننا وبينهم تمتلئ بتفسيرات لم نتحقق منها.

ننتظر منهم أن يفهموا احتياجاتنا دون أن نبوح بها، وأن يدركوا أسباب انزعاجنا دون أن نشرحها، وأن يعرفوا ما نخفيه خلف وجوهنا، ثم نعتبر عجزهم عن قراءة ما في داخلنا دليلًا على أنهم لا يهتمون.

 

وفي المقابل، قد يقف أحدهم أمامنا عاجزًا عن التعبير عما يشعر به، فنحكم عليه من عجزه، لا من حقيقة ما يحمله في قلبه.

وقد يمر بظروف لا نعرفها، أو يخوض معركة لا يستطيع الحديث عنها، فنختصر غيابه في كلمة واحدة، ونمنحه حكمًا نهائيًا دون أن نعرف كم من الأشياء حدثت بعيدًا عن أعيننا.

 

وليس معنى ذلك أن نبرر كل تصرف، أو نبحث عن الأعذار لمن يتعمد الأذى، أو نمنح ثقتنا بلا وعي. فالنضج لا يعني أن نغلق أعيننا عن الحقائق، كما أن حسن الظن لا يعني أن نتنازل عن كرامتنا، والتسامح لا يلزمنا بالبقاء في كل مكان يؤذينا.

 

إنما يعني أن نكون عادلين في رؤيتنا، فلا نجعل الحذر قسوة، ولا نجعل التجربة قانونًا يحكم جميع البشر، ولا نخلط بين حماية أنفسنا وبين حرمانها من القدرة على رؤية الخير حين يكون حاضرًا بالفعل.

 

فثمة أشخاص لا يستحقون أن نقترب منهم، وثمة أشخاص لم نفهمهم كما ينبغي، وثمة آخرون لا هم سيئون كما ظننا، ولا كاملون كما تمنينا؛ إنهم بشر، يحملون ما في البشر من نقص وتناقض، ويخطئون ويصيبون، ويضعفون أحيانًا في المواضع التي ننتظر منهم فيها القوة، ويعجزون عن التعبير في اللحظات التي نحتاج فيها إلى وضوحهم.

 

ولعل الإنصاف الحقيقي يبدأ حين نتوقف عن مطالبة الناس بأن يكونوا الصورة التي رسمناها لهم، ونمنحهم حق الظهور على حقيقتهم، حتى لو خالفت تلك الحقيقة توقعاتنا.

 

فليس كل اختلاف خذلانًا، وليس كل صمت تجاهلًا، وليس كل ابتعاد استغناءً، كما أن ليس كل اقتراب محبة، ولا كل كلمة جميلة دليلًا على صدق صاحبها.

وحدها المواقف حين تتكرر، والأفعال حين تتحدث، والوقت حين يزيح عن الوجوه ما يخفيه الانطباع الأول، تستطيع أن تمنحنا فهمًا أكثر اتزانًا.

 

ومع ذلك، يبقى علينا أن نسأل أنفسنا سؤالًا لا يقل أهمية عن أسئلتنا المتكررة حول الآخرين: هل نراهم حقًا، أم نرى انعكاس ما عشناه فيهم؟

 

هل نمنح كل إنسان فرصة عادلة ليكون مختلفًا، أم نجعله يدفع ثمن حكاية لم يكن طرفًا فيها؟ وهل نراجع أحكامنا حين تتغير الأدلة، أم نتمسك بها لأن الاعتراف بالخطأ أصعب علينا من الاستمرار فيه؟

 

ربما تكون أصعب مواجهة يخوضها الإنسان ليست مع الآخرين، وإنما مع الصورة التي صنعها عنهم، ومع يقينه القديم بأنه يعرف ما وراء الكلمات، ويدرك ما تخفيه الوجوه، ويفهم دوافع الناس حتى قبل أن يسمع منهم.

 

فمن السهل أن نحاكم الآخرين، لكن الأصعب أن نراجع الطريقة التي نحاكمهم بها.

ومن السهل أن نتمسك بما اعتقدناه، لكن الأصعب أن نمتلك الشجاعة لنقول لأنفسنا إننا ربما لم نفهم، وإن بعض الحقائق تحتاج إلى وقت، وإن الإنسان الذي نظن أننا أحطنا به علمًا قد يحمل في داخله جوانب لم نقترب منها بعد.

 

وفي لحظة صدق نادرة، قد نكتشف أننا لم نكن نحتاج إلى تغيير الآخرين بقدر ما كنا نحتاج إلى تغيير زاوية النظر إليهم؛ أن نترك للمواقف فرصة كي تتحدث، وللحوار فرصة كي يوضح، وللوقت فرصة كي يكشف، دون أن نتخلى عن وعينا أو نمنح أحدًا حق إيذائنا.

 

لكن ماذا يحدث حين تتغير نظرتنا إلى شخص كان يومًا قريبًا من قلوبنا؟ وحين تصبح التفاصيل التي كنا نراها عادية إشارات نعيد تفسيرها، وتتحول الذكريات القديمة إلى أسئلة، ويقف الإنسان أمام حيرته: هل تغير من كان يعرفه، أم أنه لم يعرفه يومًا بالقدر الذي تخيله؟

 

وهل نملك حقًا أن نرى الآخرين كما هم، أم أننا نظل، مهما اتسعت خبرتنا، نرى جانبًا منهم وتبقى جوانب أخرى بعيدة عن أعيننا؟

 

أسئلة تظل مفتوحة، لأن معرفة الإنسان ليست بابًا نعبره مرة واحدة، بل طريق تتكشف ملامحه كلما تغيرت الظروف، واختلفت المواقف، وأعادت الأيام ترتيب ما استقر في عقولنا من صور وأحكام.

 

وربما كانت الحكاية الأعمق لم تبدأ بعد؛ فخلف كل صورة نكوّنها عن الآخرين، تقف حكاية أخرى عن أنفسنا، وعن مخاوفنا التي لا نعترف بها، وتوقعاتنا التي لا نعلنها، والأشياء التي نبحث عنها في وجوه الناس دون أن ندرك أننا نحملها في داخلنا منذ زمن بعيد…

 

يتبع…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى