نبض القلم | (1) صفاء الليثي تكتب: حين أصبحنا نعيش… ولا نشعر
نبض القلم | (1)
صفاء الليثي تكتب: حين أصبحنا نعيش… ولا نشعر
هناك لحظات لا يحتاج الإنسان فيها إلى مرآة ليرى وجهه، بل يحتاج إلى لحظة صمت يرى فيها نفسه كما هي. لحظة يتوقف فيها عن الركض، ويجلس مع قلبه، ليسأله سؤالًا واحدًا: متى كانت آخر مرة شعرت أنني أعيش حقًا؟
قد نربح سنواتٍ من العمر، لكننا نخسر من دون أن ندري أجمل لحظاته. نمضي خلف الأيام وكأننا نطارد سرابًا، حتى إذا التفتنا إلى الوراء، وجدنا أن العمر لم يسرق منا الوقت فقط، بل سرق معه أشياءً كان يمكن أن تصنع سعادتنا. ومن هنا… يبدأ نبض القلم.
—
في كل صباح نستيقظ على صوت المنبه، لا لأن النوم اكتمل، بل لأن الحياة لا تمنح أحدًا فرصة للتأخير. نرتدي وجوهنا المعتادة، نحمل همومنا بصمت، ونخرج لنلحق بيوم جديد يشبه الذي سبقه، وكأننا نسير في دائرة لا تنتهي.
أصبحت الحياة سباقًا مفتوحًا، الكل يركض فيه، لكن قليلين فقط يعرفون إلى أين يتجهون. نطارد المال، ونلهث خلف النجاح، وننشغل بأخبار العالم، حتى أصبحنا نعرف ما يحدث في أقصى الأرض، بينما نجهل ما يدور في قلوب أقرب الناس إلينا.
في زحام الأيام، فقدنا متعة الأشياء الصغيرة. لم تعد جلسة الأسرة كما كانت، ولا الضحكة التي كانت تخرج من القلب، ولا الزيارات التي كانت تمنح البيوت دفئًا لا يُشترى بالمال. حتى فنجان القهوة الذي كان يجمع الأحبة، أصبح يجمعنا مع هواتفنا.
المشكلة ليست أن الوقت أصبح أقل، بل أننا لم نعد نمنح اهتمامنا لما يستحق. أصبحنا نرى أكثر، لكننا نشعر أقل. نقرأ آلاف الكلمات كل يوم، بينما نعجز أحيانًا عن قول كلمة واحدة صادقة لمن نحب.
ولأن التكنولوجيا أصبحت جزءًا من تفاصيل حياتنا، فقد قرّبت المسافات بين المدن، لكنها في أحيان كثيرة أبعدت القلوب داخل البيت الواحد. نجلس حول مائدة واحدة، بينما يعيش كل واحد منا في عالمه الخاص، حتى أصبح الصمت بيننا أعلى صوتًا من الحديث.
الأصعب من ذلك أننا اعتدنا التأجيل. نؤجل الزيارة، ونؤجل الاعتذار، ونؤجل السؤال عن الغائب، ونؤجل كلمة “أحبك”، وكأننا نملك وعدًا بأن الغد سيأتي كما نريد. لكن الحياة لم تمنح هذا الوعد لأحد.
كم من أم تنتظر مكالمة لا تأتي، وكم من أب يخفي ألمه حتى لا يزيد هموم أبنائه، وكم من صديق يبتسم أمام الجميع بينما يخوض في داخله معركة لا يعلم عنها أحد شيئًا. نحن لا نفتقد الوقت، بل نفتقد الاهتمام، والاحتواء، والقدرة على أن نشعر بالآخرين.
الحياة لا تُقاس بعدد السنوات التي نعيشها، بل بعدد المرات التي كنا فيها سببًا في ابتسامة، أو كلمة طيبة، أو يد امتدت بالعون، أو قلب وجد في وجودنا طمأنينة. فالأثر الذي نتركه في الناس هو العمر الحقيقي الذي يبقى بعد رحيلنا.
ربما لا نستطيع أن نوقف عقارب الساعة، لكننا نستطيع أن نمنح اللحظة قيمتها. أن نجلس مع أهلنا دون أن تسرقنا الشاشات، وأن نزور قريبًا طال غيابه، وأن نعتذر قبل أن يصبح الاعتذار مستحيلًا، وأن نقول كلمة طيبة قبل أن يسبقنا الصمت.
وحين يطوي الزمن صفحات أعمارنا، لن يسألنا أحد كم عامًا عشنا، بل ماذا تركنا وراءنا. هل كنا مجرد أسماء مرّت في حياة الناس، أم كنا أثرًا جميلًا بقي في القلوب بعد أن غابت الوجوه؟
فلنجعل للحياة نبضًا يليق بها، وللقلوب نصيبًا من وقتنا، ولمن نحب حضورًا لا تؤجله الأيام. فهناك لحظات إذا مضت… لا يعيدها العمر كله.
✍️ #صفاء_الليثي
#نبض_القلم #صفاء_الليثي





