وأنا أَبحَثُ فِي رَسَائِلي
وأنا أَبحَثُ فِي رَسَائِلي
بقلم د محمد الجغل
وَأَنَا أَبْحَثُ فِي رَسَائِلِي الْقَدِيمَةِ، وَجَدْتُ فِي إِحْدَاهَا رِسَالَةَ وَفَاءٍ، وَكَادَ حِبْرُهَا أَنْ يَجِفَّ وَيَتَلَاشَى، وَكَانَتْ فِي آخِرِهَا مَمْهُورَةً بِدُمُوعٍ لَمْ تَجِفَّ، وَآهَاتٍ لَمْ تَسْتَكِنَّ، وَذِكْرَيَاتٍ فَاقَتْ كُلَّ الذِّكْرَيَاتِ.
بِوُعُودٍ غَادَرَتْ، وَبِضَحِكَاتٍ عَبَسَتْ، وَتَنَهُّدَةٍ اسْتَيْقَظَتْ مِنْ غَفْوَتِهَا، وَسَقَمٍ احْتَارَ الْأَطِبَّاءُ فِيهِ، وَسُكُونِ لَيْلٍ مُوحِشٍ، وَبَحْرٍ هَدَأَتْ أَمْوَاجُهُ، وَسُفُنٍ رَسَتْ، وَمَجَادِيفَ تَقَطَّعَتْ أَوْصَالُهَا، وَأَنْفَاسٍ هَدَأَتْ، وَشَمْسٍ أَبَتْ أَنْ تُشْرِقَ.
حَتَّى الْغُيُومُ أَصْبَحَتْ تُعَانِدُ الْقَدَرَ؛ فَلَا هِيَ تُمْطِرُ، وَلَا هِيَ ذَاهِبَةٌ إِلَى غَيْرِ رَجْعَةٍ، وَإِنَّمَا حَجَبَتْ نُورَ الشَّمْسِ عَنِ الضِّيَاءِ.
وَعَصَافِيرُ الصَّبَاحِ، مَالِي أَرَاهَا لَا تَتَسَلَّقُ الْأَغْصَانَ؟
حَتَّى النَّدَى جَفَّ، وَالزُّهُورُ تَسَاقَطَتْ فِي فَصْلِ الرَّبِيعِ.
كُنْتُ حِينَ لِقَائِهَا تَكُونُ مَشَاعِرِي كَهَذَيَانِ قَبَّانِي فِي «بَلْقِيسَ»، وَحَنْجَرَةِ الْكَسْرِ الصَّدَّاحَةِ، وَأُمِّ كُلْثُومَ حِينَ كَانَتْ تَصْرُخُ بِالْآهَاتِ، وَعِشْقِ عَنْتَرَةَ لِعَبْلَةَ، وَهِيَامِ قَيْسٍ فِي لَيْلَاهُ.
لَقَدْ قَتَلُوا بَلْقِيسَ بِدَمٍ بَارِدٍ، وَقَيْسٌ عَاشَ عَلَى الْأَطْلَالِ، وَعَنْتَرَةُ ابْيَضَّ جَسَدُهُ.
فَلَا عِتَابَ لِمَنْ لَا حَوْلَ لَهُ وَلَا قُوَّةَ.
فَأَنَا اعْتَزَلْتُ الْغَرَامَ صَاغِرًا وَمُرْغَمًا
وَحرقتُ كُلُ رَسائلي
وَنثَرتُ رمادُهآ في غَيآهِبِ الجُبْ





