صفاء الليثي تكتب: حين تصبح الحكاية حكمًا… ويصبح الظن حقيقة
صفاء الليثي تكتب: حين تصبح الحكاية حكمًا… ويصبح الظن حقيقة
نبض القلم | حين تصبح الحكاية حكمًا
صفاء الليثي تكتب: حين تصبح الحكاية حكمًا… ويصبح الظن حقيقة
أخطر ما قد يحدث بين الناس ليس أن يختلفوا، ولا أن تتباعد المسافات بينهم، بل أن تتسلل إلى عقولهم حكاية ناقصة، ثم تكبر في داخلهم حتى تصبح حقيقة لا تقبل النقاش.
فالكلمة حين تنتقل من فم إلى آخر، لا تصل دائمًا كما قيلت، ولا تحتفظ في كل مرة بمعناها الأول؛ فقد تضيف إليها نفسٌ شيئًا من فهمها، وتحذف أخرى ما لم يوافق تصورها، ثم تأتي ثالثة فترويها وكأنها شاهدت الحكاية من بدايتها إلى نهايتها.
وهكذا، قد يجد الإنسان نفسه يومًا متهمًا في قصة لم تُروَ كاملة، أو غائبًا عن مجلس تُصاغ فيه صورته دون أن يكون حاضرًا ليوضح، أو محكومًا عليه بموقف لم يعرف أحد ظروفه الحقيقية.
والعجيب أن بعض الناس لا يحتاجون إلى دليل كامل حتى يصدقوا ما يسمعون، بل يكفيهم أن تتفق الحكاية مع صورة استقرت في أذهانهم من قبل. فإذا كانوا قد أساؤوا الظن بإنسان، وجدوا في كل كلمة تُقال عنه تأكيدًا لظنونهم، وإذا أحبوا صورته، بحثوا عن الأعذار لكل ما يصدر عنه.
وهنا لا يعود الإنسان يرى الحقيقة كما هي، بل يراها من خلف نافذة أفكاره ومشاعره وتجاربه السابقة.
لكن هل كل ما نسمعه يستحق التصديق؟ وهل كل ما يبدو واضحًا أمامنا يحمل المعنى الذي فهمناه؟ وهل يمكن أن يكون الإنسان بريئًا من الحكاية التي انتشرت عنه، بينما أصبح مطالبًا طوال الوقت بالدفاع عن نفسه أمام أحكام لم يشارك في صناعتها؟
وهنا يبدأ نبض القلم
إن العدل لا يبدأ عندما نسمع الطرف الآخر فحسب، بل عندما نعترف بأن ما سمعناه أولًا قد لا يكون الصورة كاملة. ويبدأ الإنصاف حين نمنح عقولنا فرصة للتفكير قبل أن تمنح ألسنتنا الإذن بالحكم.
ليس كل ناقلٍ للكلام كاذبًا، وليس كل من يروي موقفًا يقصد الإساءة، فقد ينقل الإنسان ما فهمه بصدق، بينما يكون فهمه نفسه ناقصًا. وهنا تكمن المشكلة؛ فليست كل الأضرار وليدة الكذب المتعمد، بل قد تصنعها أيضًا الثقة الزائدة في تفسير واحد، والإصرار على أن ما فهمناه لا يحتمل معنى آخر.
كم من موقف تغيّرت حقيقته عندما ظهرت تفاصيل لم تكن معروفة! وكم من إنسان بدا مخطئًا في بداية الحكاية، ثم اتضح أن وراء تصرفه ظروفًا لم تخطر لأحد على بال! وكم من علاقة إنسانية أصابها التصدع لأن أحدهم صدّق ما نُقل إليه أكثر مما وثق في قدرته على السؤال والفهم.
ومع ذلك، لا ينبغي أن نعيش أسرى الشك، ولا أن نتهم كل من يتحدث، ولا أن نغلق آذاننا عن النصيحة. فالحكمة ليست في تكذيب كل شيء، وإنما في ألا نجعل كل شيء حقيقة نهائية قبل أن تتضح صورته.
هناك فرق كبير بين أن تسمع عن إنسان، وأن تعرفه؛ وبين أن تفهم موقفًا، وأن تكتفي بتفسيره؛ وبين أن تحترم رأيًا، وأن تسلّم له بعقلك دون مراجعة.
ولعل أكثر ما يحتاجه عالمنا اليوم ليس مزيدًا من الكلمات، بل مزيدًا من الأمانة في نقلها، والرحمة في تفسيرها، والشجاعة في مراجعة أحكامنا عندما تظهر لنا الحقيقة.
فليس من القوة أن نتمسك بحكم أصدرناه، لمجرد أننا قلناه، وليس من الضعف أن نعترف بأننا لم نفهم الصورة كاملة. بل إن الرجوع إلى الحق شجاعة لا يملكها إلا من كان أكبر من كبريائه، وأصدق مع نفسه من حاجته إلى الانتصار لرأيه.
وفي كل مرة تصل إلينا حكاية عن إنسان، لنتذكر أن الحكاية ليست صاحبها، وأن الرواية ليست دائمًا الحقيقة، وأن وراء الأبواب المغلقة تفاصيل لا نعرفها، ووراء الصمت أسبابًا قد لا يحق لنا أن نفسرها على هواه.
فكم من كلمة صنعت مسافة، وكم من ظنّ أغلق بابًا، وكم من حكم متعجل حرم إنسانًا من فرصة عادلة لمجرد أن أحدًا قرر أن يصدّق قبل أن يفهم.
لكن السؤال الذي يستحق أن نتوقف عنده ليس فقط: لماذا يسيء الناس فهم بعضهم؟ بل سؤال أعمق: ماذا يحدث حين نكتشف أن الصورة التي دافعنا عنها طويلًا لم تكن الحقيقة كاملة، وأننا ظلمنا إنسانًا لأننا لم نمنحه فرصة أن يُفهَم؟
ربما تكون أصعب لحظات الوعي هي تلك التي لا نكتشف فيها أخطاء الآخرين، بل نكتشف فيها أخطاءنا نحن، حين نرى كيف يمكن لفكرة صغيرة أن تقودنا إلى حكم كبير، وكيف يمكن لحكاية ناقصة أن تغيّر نظرتنا إلى إنسان بأكمله.
وهنا لا تنتهي الحكاية، بل تبدأ مسؤولية جديدة: أن نتعلم كيف نسمع دون أن نتسرع، وكيف نفهم دون أن نتوهم، وكيف نختلف دون أن نظلم، وكيف نراجع أنفسنا دون أن نخشى الاعتراف.
فليس كل ما نسمعه حقيقة، وليس كل ما نفهمه هو المعنى المقصود، وليس كل حكم نصدره يستحق أن نتمسك به إلى الأبد.
ولأن الإنسان لا يُختصر في موقف، ولا تُروى حياته في جملة، ولا تُعرف حقيقته من رواية واحدة، يبقى السؤال الأهم…
ماذا لو كانت بعض الصور التي نحملها عن الآخرين تحتاج إلى إعادة نظر، لا لأن الحقيقة تغيّرت، بل لأننا للمرة الأولى بدأنا نراها من زاوية أخرى؟
يتبع…





