🪙 الذهب: 6,225 ج.م
سعر الذهب اليوم
6,225 ج.م
الذهاب للصفحة
💵 الدولار: 51.81
أسعار العملات
الدولار الأمريكي 51.81
اليورو الأوروبي 58.82
الذهاب للصفحة
🕌 الصلاة: العصر
مواقيت الصلاة - القاهرة
الفجر 5:18 AM
الشروق 6:45 AM
الظهر 12:47 PM
العصر 4:13 PM
المغرب 6:48 PM
العشاء 8:05 PM
الذهاب للصفحة
☀️ القاهرة: 26°
الطقس الآن - القاهرة
26°
الحالة سماء صافية
الرطوبة 40%
الرياح 4 م/ث
الذهاب للصفحة
عاجل
مقالات

صفاء الليثي تكتب: حين نحكم قبل أن نفهم

صفاء الليثي تكتب: حين نحكم قبل أن نفهم

نبض القلم | حين نحكم قبل أن نفهم

 

نعيش بين الناس كل يوم، نراهم ونسمعهم ونتعامل معهم، نقترب من بعضهم ونبتعد عن آخرين، نختلف ونتفق، نضحك معًا أحيانًا ونصمت في أحيان أخرى، لكننا رغم كل هذا اللقاء اليومي قد نكتشف أننا لا نعرف بعضنا كما نظن.

 

فكم من إنسان مر أمامنا سنوات طويلة، ونحن نظن أننا فهمناه، ثم جاء موقف واحد فقط ليكشف لنا أن الصورة التي رسمناها عنه لم تكن كاملة.

 

وكم من شخص حكمنا عليه من كلمة، أو موقف، أو لحظة صمت، ثم اكتشفنا بعد وقت أن وراء ذلك الصمت حكاية لم نعرفها.

 

وهنا يبدأ نبض القلم…

 

ماذا يحدث حين تتغير نظرتنا إلى الناس؟

 

وكيف نصنع صورة الآخرين في عقولنا؟

 

وكيف يمكن لصورة صنعها العقل أن تصبح أقوى من الإنسان الحقيقي نفسه؟

 

حين تتغير نظرتنا إلى الناس، لا يتغير الناس بالضرورة، وإنما تتغير الصورة التي نراهم من خلالها.

 

وهذه واحدة من أكثر الحقائق التي نكتشفها متأخرين؛ أننا لا نتعامل دائمًا مع الإنسان كما هو، بل مع الصورة التي صنعناها عنه داخل عقولنا.

 

صورة قد تكون بدأت من موقف عابر، أو كلمة لم نفهمها جيدًا، أو تصرف فسرناه بطريقتنا، ثم أخذت الأيام تضيف إليها تفاصيل من عندنا حتى أصبحت في النهاية حقيقة لا نراجعها.

 

ننظر إلى شخص فنقول: هذا متكبر، وهذا لا يهتم، وهذا لا يشعر، وهذا لا يحب أحدًا، وهذا لا يمكن الوثوق به، وهذا تغير، وهذا لم يعد كما كان.

 

ثم نبدأ في التعامل معه على أساس هذه الأحكام.

 

والغريب أن الإنسان قد يقضي سنوات كاملة وهو يدافع عن صورة لم يصنعها الطرف الآخر أصلًا، وإنما صنعها هو في داخله.

 

فكيف تتكون هذه الصور؟

 

العقل البشري لا يحب الفراغ. حين لا يعرف السبب، يبحث عن تفسير. وحين لا يجد تفسيرًا واضحًا، قد يصنع تفسيره الخاص.

 

ومن هنا تبدأ المسافة بين الحقيقة وما نعتقد أنه حقيقة.

 

قد يتأخر أحدهم في الرد، فنفسر ذلك بأنه تجاهل.

 

وقد يبتعد شخص قليلًا، فنظن أنه لم يعد يريدنا.

 

وقد يصمت آخر، فنعتبر صمته قسوة، بينما ربما كان يحمل داخله ما لا يستطيع التعبير عنه.

 

وقد نرى شخصًا يبتسم في وقت نظنه حزينًا، فنحكم عليه بأنه لا يشعر، دون أن نعرف أن بعض الناس تعلموا أن يخفوا تعبهم جيدًا.

 

وهكذا تتحول التفاصيل الصغيرة إلى أحكام كبيرة.

 

ومع مرور الوقت، يصبح الإنسان أسيرًا للصورة التي صنعها عن الآخرين، لا للآخرين أنفسهم.

 

وهنا تبدأ مشكلة أعمق.

 

لأننا حين نضع شخصًا داخل صورة معينة، نبدأ دون أن نشعر في البحث عن كل ما يؤكدها، ونتجاهل كل ما ينفيها.

 

إذا اعتقدنا أن إنسانًا لا يهتم بنا، فسوف نلاحظ المواقف التي تؤكد ذلك، وقد تمر أمام أعيننا عشرات المواقف الأخرى التي تقول العكس دون أن نمنحها الاهتمام نفسه.

 

وهذا ليس لأن الحقيقة غائبة، وإنما لأن نظرتنا أصبحت انتقائية.

 

نحن لا نرى كل ما يحدث، بل نرى أحيانًا ما يتوافق مع ما قررناه مسبقًا.

 

ومن هنا يمكن أن يتحول الحكم إلى حاجز، والحاجز إلى مسافة، والمسافة إلى جفاء، ثم يأتي كل طرف في النهاية ليقول: الآخر تغير.

 

لكن هل تغير فعلًا؟

 

أم أننا توقفنا عن محاولة فهمه؟

 

ربما أخطر ما يحدث بين الناس ليس الاختلاف، وإنما التوقف عن التفسير.

 

حين نتوقف عن سؤال الآخر: ماذا كنت تقصد؟

 

ونستبدل السؤال بالحكم: أنا أعرف أنت تقصد إيه.

 

حينها لا يعود هناك مجال للحوار، لأننا أغلقنا الباب قبل أن يبدأ.

 

والإنسان لا يحتاج دائمًا إلى من يوافقه، بقدر ما يحتاج إلى من يحاول أن يفهمه.

 

الفهم لا يعني أن نتفق مع كل شيء، ولا يعني أن نبرر الخطأ، لكنه يعني أن نمنح الحقيقة فرصة قبل أن نصدر الحكم.

 

كم علاقة اجتماعية انتهت لأن أحد الطرفين ظن أنه فهم الآخر؟

 

وكم إنسان خسرناه لأننا صدقنا عنه حكاية لم نسمعها منه؟

 

وكم شخصًا عاش بيننا سنوات طويلة وهو يشعر أن أحدًا لم ير حقيقته، لأن الجميع تعامل مع الصورة التي التصقت به؟

 

نحن نعيش وسط عدد هائل من الصور.

 

صورة نصنعها عن الآخرين، وصورة يصنعها الآخرون عنا، وصورة نحاول نحن أن نظهر بها أمام الناس.

 

وبين الصور الثلاث تضيع أحيانًا الحقيقة.

 

قد يكون الإنسان أهدأ مما نعتقد، وأضعف مما يظهر، وأقوى مما نتخيل، وأحن مما توحي به ملامحه، وأكثر احتياجًا مما يسمح لكبرياؤه أن يقول.

 

ولهذا فإن اللقاء الحقيقي بين الناس لا يبدأ حين نتكلم، وإنما حين نتخلى قليلًا عن الصورة الجاهزة التي نحملها في أذهاننا.

 

أن نقترب من الإنسان كما هو، لا كما قررنا أن يكون.

 

أن نسمع قبل أن نحكم.

 

أن نسأل قبل أن نفسر.

 

أن نترك مساحة لاحتمال أننا لم نفهم كل شيء.

 

فليس كل صمت تجاهلًا، وليس كل ابتعاد كراهية، وليس كل اختلاف خصومة، وليس كل تغيير خذلانًا.

 

أحيانًا يكون الإنسان في معركة لا نراها، ونحن نحاسبه على أنه لم يكن حاضرًا معنا، بينما هو بالكاد كان قادرًا على الحضور مع نفسه.

 

وهنا يصبح الوعي بالآخر نوعًا من الرحمة.

 

أن تعرف أن لكل إنسان قصة لا تراها كاملة.

 

وأن ما يظهر لك من حياة شخص ما ليس إلا صفحة من كتاب طويل.

 

وربما نحن أنفسنا نطلب من الآخرين أن يفهمونا من صفحة واحدة، ثم لا نمنحهم نحن فرصة قراءة صفحاتهم.

 

فهل يمكن أن نعيش بين الناس بطريقة مختلفة؟

 

هل يمكن أن نعيد النظر في بعض الأحكام التي حملناها طويلًا؟

 

هل يمكن أن نسأل أنفسنا قبل أن نقول: «هو تغير»؟

 

هل تغير هو فعلًا، أم أنني أنا التي تغيرت نظرتي إليه؟

 

وهل الصورة التي في عقلي هي الإنسان الحقيقي، أم مجرد تفسير صنعته الأيام والمواقف والانطباعات؟

 

ربما لو فعلنا ذلك، لاكتشفنا أن كثيرًا من المسافات لم تكن تحتاج إلى سنوات حتى تنتهي، بل كانت تحتاج فقط إلى لحظة صدق، وسؤال واحد لم نسأله في الوقت المناسب.

 

لأننا في النهاية لا نعيش فقط بين الناس…

 

نحن نعيش أيضًا بين الصور التي صنعناها عنهم.

 

وبين الحقيقة التي قد تكون مختلفة تمامًا.

 

وكلما اتسعت المسافة بين الصورة والحقيقة، أصبح اللقاء أصعب، وأصبح الإنسان غريبًا حتى وهو يقف أمامنا.

 

وربما لهذا لا يكون السؤال الحقيقي: لماذا ابتعد الناس عنا؟

 

بل: هل حاولنا يومًا أن نراهم كما هم، لا كما رسمناهم في داخلنا؟

 

فربما كان بعض ما ظنناه قسوة مجرد عجز عن التعبير، وبعض ما حسبناه تجاهلًا كان انشغالًا بمعركة لا نعرف عنها شيئًا، وبعض من ظننا أنهم ابتعدوا عنا كانوا ينتظرون فقط أن نسألهم سؤالًا صادقًا.

 

لكننا أحيانًا نكون أسرع في إصدار الحكم من قدرتنا على منح الآخرين فرصة.

 

نريد أن نفهم الناس بسرعة، ونضع لكل شخص تعريفًا مختصرًا، ثم نرتاح إلى هذا التعريف وكأنه الحقيقة الكاملة.

 

مع أن الإنسان ليس جملة واحدة.

 

ولا موقفًا واحدًا.

 

ولا لحظة غضب.

 

ولا كلمة قيلت في وقت صعب.

 

الإنسان مجموعة من الأيام والتجارب والخوف والأمل والضعف والقوة، وكل ذلك يتداخل ليصنع شخصًا لا يمكن اختصاره في حكم واحد.

 

ولعل أجمل ما يمكن أن نتعلمه في علاقاتنا مع الناس أن نترك دائمًا نافذة صغيرة لاحتمال أننا لم نعرف القصة كاملة.

 

نافذة يدخل منها الفهم قبل الحكم، والرحمة قبل القسوة، والحوار قبل المسافة.

 

فقد نكتشف يومًا أن الإنسان الذي ظنناه بعيدًا كان أقرب مما تصورنا، وأن الشخص الذي اعتقدنا أننا نعرفه لم نعرف منه إلا جزءًا صغيرًا.

 

وحينها ندرك أن أصعب المسافات ليست تلك التي تفصل بين مكانين، وإنما تلك التي تنشأ داخل العقول حين تتحول الظنون إلى حقائق، والأحكام إلى جدران، والصور إلى بديل عن الإنسان.

 

وربما يبدأ اللقاء الحقيقي بين الناس في اللحظة التي نتوقف فيها عن سؤال: «ماذا أظن عنه؟»

 

ونسأل بدلًا من ذلك:

 

«ماذا أعرف عنه حقًا؟»

 

وهنا يبدأ نبض القلم…

 

ويتبع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى