🪙 الذهب: 6,200 ج.م
سعر الذهب اليوم
6,200 ج.م
الذهاب للصفحة
💵 الدولار: 53.48
أسعار العملات
الدولار الأمريكي 53.48
اليورو الأوروبي 59.88
الذهاب للصفحة
🕌 الصلاة: الفجر
مواقيت الصلاة - القاهرة
الفجر 5:31 AM
الشروق 6:57 AM
الظهر 12:41 PM
العصر 3:57 PM
المغرب 6:23 PM
العشاء 7:41 PM
الذهاب للصفحة
☀️ القاهرة: 26°
الطقس الآن - القاهرة
26°
الحالة سماء صافية
الرطوبة 40%
الرياح 4 م/ث
الذهاب للصفحة
عاجل
مقالات

صفاء الليثي تكتب: حين يصبح الهوى ميزانًا للحقيقة

صفاء الليثي تكتب: حين يصبح الهوى ميزانًا للحقيقة

 

نبض القلم | حين يصبح الهوى ميزانًا للحقيقة

 

ليس أصعب على الإنسان من أن يكتشف أن الحقيقة التي دافع عنها طويلًا لم تكن دائمًا هي ما يراه بعينيه، بل ما أراد أن يراه بقلبه.

 

فكم من موقف اختلفت أحكامنا عليه لمجرد أن الوجوه التي صنعتْه اختلفت! وكم من خطأ غضضنا الطرف عنه لأن صاحبه قريب إلى نفوسنا، ثم توقفنا طويلًا أمام الخطأ نفسه حين صدر ممن لا نميل إليه!

 

كأن الحقيقة في أعيننا لا تملك ميزانًا ثابتًا، وكأن كفة العدل ترتفع وتنخفض بحسب مكانة الأشخاص في قلوبنا، لا بحسب ما فعلوه حقًا.

 

وهنا يبدأ نبض القلم…

 

ثمة انحياز خفي يسكن النفس البشرية، لا يعلن عن نفسه دائمًا، ولا يأتي في صورة ظلم واضح نعترف به، بل يتسلل إلينا في صورة تبرير، ثم يتحول مع الوقت إلى قناعة، حتى نظن أننا نحكم بعقولنا، بينما تقودنا مشاعرنا من حيث لا نشعر.

 

حين نحب شخصًا، قد نبحث له عن عذر قبل أن نعرف تفاصيل ما حدث.

نمنحه احتمالات لم نمنحها لغيره، ونفسر صمته بحسن النية، ونلتمس لكلماته معنى أجمل مما تحتمل.

أما حين يتعلق الأمر بشخص لا نرتاح إليه، فقد نفعل العكس تمامًا؛ نضع أسوأ الاحتمالات أمامنا، ونقرأ تصرفاته من الزاوية الأكثر قسوة، ثم نخرج بحكم نظن أنه الحقيقة الكاملة.

 

والسؤال هنا ليس: لماذا نحب هذا ونختلف مع ذاك؟ فالقلوب لا تتشابه، والقبول والنفور من طبيعة البشر.

 

السؤال الأهم: متى سمحنا لمشاعرنا أن تتحول من إحساس شخصي إلى محكمة نصدر منها أحكامنا على الآخرين؟

 

إن من حقنا أن نرتاح إلى إنسان دون غيره، وأن نختار من نقترب منه ومن نحتفظ معه بمسافة آمنة، لكن ليس من حق مشاعرنا أن تعيد تعريف الصواب والخطأ لمجرد أن أصحاب المواقف تغيروا.

 

فالخطأ لا يصبح صوابًا لأن صاحبه نحبه، والحقيقة لا تفقد قيمتها لأن من قالها لا يعجبنا، والإنصاف لا ينبغي أن يكون امتيازًا نمنحه لمن يشبهوننا، ثم نحجبه عمن يختلفون معنا.

 

والمفارقة أن الإنسان قد يرفض الظلم حين يقع عليه، ثم يجد لنفسه عشرات المبررات حين يصدر عنه أو عن شخص يهمه أمره.

وقد يطالب الآخرين بسماع وجهة نظره كاملة قبل الحكم عليه، بينما لا يمنح غيره الدقائق نفسها للدفاع عن نفسه.

 

وهكذا يصبح العدل مطلبًا حين نكون أصحاب حق، ويصبح عبئًا حين يقتضي منا الاعتراف بأن من نحب أخطأ، أو أن من نختلف معه أصاب.

 

وهذه واحدة من أكثر المساحات التي تحتاج إلى مراجعة صادقة داخل النفس؛ لأننا لا نُختبر فقط حين نملك القدرة على قول الحقيقة، بل نُختبر حين تكون الحقيقة مخالفة لما نحب أن نصدقه.

 

هل نستطيع أن نعترف بخطأ شخص قريب منا دون أن نشعر بأننا خذلناه؟

 

وهل نستطيع أن نعترف بصواب شخص نختلف معه دون أن نشعر بأننا خسرنا معركة؟

 

إن النضج الحقيقي لا يظهر في قدرتنا على اكتشاف أخطاء الآخرين، فهذه مهمة يسيرة حين نراقبهم من الخارج، لكنه يظهر حين نستطيع الفصل بين الشخص وموقفه، وبين مكانته عندنا وما يستحقه فعله من حكم.

 

قد يكون الإنسان الذي نحبه مخطئًا في موقف، وقد يكون من لا نرتاح إليه محقًا في موقف آخر.

لا ينتقص ذلك من قيمة الأول، ولا يمنح الثاني صكًا دائمًا بالصواب. إنها ببساطة حقيقة يجب أن نتعلم قبولها: لا أحد يملك الحقيقة كاملة، ولا أحد يُختصر في خطأ واحد أو موقف واحد.

 

والعدل ليس أن نساوي بين جميع الناس في مشاعرنا، وإنما أن نمنح كل موقف حقه من الفهم، وكل إنسان حقه من الإنصاف.

 

وهنا يظهر الفارق بين عقل يبحث عن الحقيقة، وعقل يبحث عما يؤكد قناعاته.

الأول يراجع نفسه حين تظهر له أدلة جديدة، أما الثاني فينتقي من الوقائع ما يوافق هواه، ويتجاهل ما يربكه، ثم يتمسك بحكمه كأن التراجع عنه هزيمة.

 

لكن الاعتراف بالخطأ ليس هزيمة، وتغيير الرأي أمام الحقيقة ليس ضعفًا، والاعتذار عن حكم ظالم ليس انتقاصًا من الكرامة.

على العكس، قد تكون هذه اللحظات هي الاختبار الحقيقي لشجاعة الإنسان وقدرته على مواجهة نفسه دون أقنعة.

 

ولعل أخطر ما يفعله الهوى بنا أنه لا يجعلنا نظلم الآخرين فقط، بل يجعلنا أحيانًا عاجزين عن رؤية ظلمنا لهم.

فنحن نميل إلى تذكر ما يثبت براءتنا، وننسى ما يدين تصرفاتنا، ونمنح أنفسنا من الأعذار ما قد نرفض منحه لغيرنا.

 

ومن هنا تبدأ المراجعة الحقيقية: أن نسأل أنفسنا قبل إصدار الحكم، هل كنت سأرى الموقف بالطريقة نفسها لو أن صاحبه شخص آخر؟ وهل كنت سأقبل هذا التصرف لو وقع عليّ؟ وهل أبحث عن الحقيقة فعلًا، أم أبحث عن دليل يثبت أنني كنت على صواب منذ البداية؟

 

ليست هذه الأسئلة دعوة إلى الشك في كل شيء، ولا إلى تعطيل أحكامنا أو التنازل عن حقوقنا، وإنما هي دعوة إلى أن نكون أكثر وعيًا بما يحدث داخلنا قبل أن نقرر ما يحدث في حياة الآخرين.

 

فكم من خلاف اتسع لأن أحد أطرافه لم يكن يريد أن يفهم، بل كان يريد أن ينتصر! وكم من حقيقة ضاعت وسط ضجيج الدفاع عن الأشخاص، وكم من إنسان حُكم عليه بما لم يقصده، بينما أُعفي آخر من المساءلة لأن له مكانة لا يريد أحد الاقتراب منها!

 

إن المجتمعات لا تحتاج فقط إلى من يتحدثون عن العدل، بل إلى من يمارسونه في التفاصيل الصغيرة؛ في أحاديثهم، وفي نقلهم للكلام، وفي تقييمهم للمواقف، وفي قدرتهم على سماع الرأي المخالف دون أن يحولوا الاختلاف إلى خصومة.

 

فالعدل الذي لا يظهر إلا عندما توافقنا الحقيقة، ليس عدلًا مكتملًا، والإنصاف الذي يتوقف عند حدود المحبة والقرابة والمصلحة، يظل أسيرًا للهوى مهما ارتدى من ثياب الحكمة.

 

وفي زمن تتسارع فيه الأحكام، وتنتشر فيه الروايات قبل التحقق منها، يصبح التريث مسؤولية، والتثبت ضرورة، والاعتراف بأننا لا نعرف كل شيء علامة وعي لا علامة عجز.

 

وليس مطلوبًا منا أن نكون بلا تحيز، فهذه غاية يصعب بلوغها، لكن المطلوب أن ننتبه إلى تحيزاتنا، وألا نسمح لها بأن تتحول إلى أحكام نظلم بها الناس ثم نمنح أنفسنا راحة الضمير.

 

فالسؤال الذي يستحق أن نحمله معنا ليس: من الذي أخطأ؟ بل: هل كنت سأحكم بالحكم نفسه لو تبدلت الأسماء وتغيرت الوجوه؟

 

ربما تكون الإجابة عن هذا السؤال بداية اكتشاف أشياء كثيرة في داخلنا لم نكن نريد رؤيتها.

 

وربما يكون أصعب أنواع المواجهة أن نقف أمام أنفسنا، لا لنسألها عما فعله الآخرون، بل عما فعلته هي بالحقيقة حين تعارضت مع هواها.

 

فحين يصبح الهوى ميزانًا للحقيقة، قد نخرج من كل نقاش منتصرين في أعين أنفسنا، لكن هل نكون قد اقتربنا خطوة واحدة من العدل؟

 

وهنا يظل السؤال مفتوحًا…

 

هل نملك الشجاعة لننصف من نختلف معهم، أم أننا لا نحب الحقيقة إلا حين تأتي على مقاس ما نؤمن به؟

 

يتبع…

 

#صفاء_الليثي #نبض_القلم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى