صفاء الليثي تكتب..حين يموت الأخ… ينكسر في القلب شيء لا يراه أحد
صفاء الليثي تكتب..حين يموت الأخ… ينكسر في القلب شيء لا يراه أحد
ليست كل الأحزان تُروى…
فبعضها أكبر من الكلام، وأثقل من أن تحمله الجمل، وأعمق من أن تستطيع الدموع أن تشرح ما يحدث داخلنا.
هناك فقدٌ يأتي فيأخذ معه شخصًا…
وهناك فقدٌ يأتي فيأخذ معه جزءًا من حياتنا.
وموت الأخ ليس مجرد غياب إنسان نحبه…
إنه غياب صوتٍ اعتدنا عليه، ووجهٍ كان جزءًا من تفاصيل الأيام، وذاكرةٍ كانت تمشي على قدمين، وسندٍ لم نكن نعرف قيمته كاملة إلا حين أصبح بعيدًا إلى الأبد.
الأخ هو ذلك الإنسان الذي عرفك قبل أن تعرف الدنيا.
عرف ضحكتك الأولى، وخوفك الأول، وأحلامك الصغيرة، وشقاوتك، وضعفك، وغضبك، وحتى تلك الأشياء التي أخفيتها عن العالم كله.
ولهذا…
حين يموت الأخ، لا نشعر أننا فقدنا شخصًا فقط.
نشعر أننا فقدنا شاهدًا على عمر كامل.
نبحث عنه في الأماكن التي اعتاد أن يكون فيها، في صوته، في صوره، في كلماته، وفي تفاصيل صغيرة لم نكن نلتفت إليها يومًا.
وفجأة…
تصبح أبسط الأشياء مؤلمة.
كرسي فارغ.
هاتف لا يرن.
رقم ما زال محفوظًا في الهاتف، رغم أن صاحبه لن يتصل.
صورة قديمة نفتحها ثم نغلقها سريعًا، لأن القلب لم يتعلم بعد كيف يرى من يحب ولا يستطيع أن يصل إليه.
والأقسى…
أن الحياة لا تنتظرنا.
الشمس تشرق في اليوم التالي كأن شيئًا لم يحدث.
الناس تذهب إلى أعمالها.
الأطفال يضحكون.
الشوارع مزدحمة.
والعالم كله يمضي إلى الأمام…
بينما قلبك أنت ما زال واقفًا عند تلك اللحظة التي عرفت فيها أن أخاك رحل.
وهنا يبدأ نبض القلم…
وهنا لا أكتب عن الموت…
بل أكتب عن الوجع الذي يتركه الموت خلفه.
أكتب عن ذلك القلب الذي يتظاهر بأنه بخير، بينما داخله بيتٌ كامل أُطفئت أنواره.
أكتب عن إنسانٍ يتعلم للمرة الأولى أن كلمة «أخي» يمكن أن تتحول من نداءٍ إلى دعاء.
من:
«يا أخويا…»
إلى:
«اللهم ارحم أخي.»
يا الله…
كم هي قاسية هذه المسافة بين الكلمتين!
—
نحن لا ندرك قيمة الأخ وهو معنا.
نختلف معه لأننا نظن أن الوقت طويل.
نغضب منه لأننا نعرف أننا سنعود.
نؤجل الزيارة لأن هناك غدًا.
نؤجل المكالمة لأننا مشغولون.
نؤجل كلمة «وحشتني» لأننا نظن أن الفرصة لن تضيع.
ثم يأتي الموت…
فلا غد.
ولا مكالمة.
ولا زيارة.
ولا فرصة أخرى.
وهنا فقط…
نعرف أن العمر لم يكن طويلًا كما ظننا.
وأن الأشياء التي أجلناها…
ربما كانت أجمل الأشياء التي كان يجب ألا نؤجلها.
—
يا أخي…
كنت أظن أن أصعب شيء في فقدك هو يوم الرحيل.
ثم اكتشفت أن يوم الرحيل كان مجرد البداية.
البداية الحقيقية كانت في اليوم التالي…
حين استيقظت ولم أجدك.
وفي اليوم الذي بعده…
حين تذكرت شيئًا أردت أن أحكيه لك.
وفي مناسبة كنت أتمنى وجودك فيها.
وفي لحظة خوف تمنيت فيها أن أسمع صوتك.
وفي موقف عابر جعلني أقول في داخلي:
لو كان أخي هنا…
ثم أتذكر.
وأصمت.
فليس هناك وجع أقسى من أن يكون الإنسان الذي تحتاج إليه…
هو نفسه الإنسان الذي لا تستطيع الوصول إليه.
—
يا أخي…
هل تعرف ماذا فعل الغياب؟
جعل صورتك أغلى من كل الأشياء.
جعل صوتك الذي ربما لم نكن ننتبه إليه يومًا…
أجمل الأصوات.
جعل اسمك حين يمر أمامي…
يوقظ ألف ذكرى.
جعل الأماكن التي جمعتنا لا تشبه نفسها.
وجعلني أفهم أن بعض الناس حين يرحلون…
لا يتركون فراغًا في المكان فقط.
إنهم يتركون فراغًا في الروح.
—
يقولون إن الوقت يداوي.
وأنا لا أظن أن الوقت يداوي فقد الأخ.
الوقت فقط يعلّمنا كيف نخفي الوجع.
نتعلم أن نضحك وفي القلب دمعة.
أن نتحدث والحنين يسكن خلف الكلام.
أن نعيش أيامنا، ونؤدي واجباتنا، ونقابل الناس، ونبدو طبيعيين…
ثم نعود إلى وحدتنا، فنكتشف أن هناك مكانًا في القلب ما زال ينتظر شخصًا لن يعود.
نحن لا ننسى من نحب.
نحن فقط نتعلم كيف نحمل ذكراهم دون أن نسقط.
—
ولأن الموت حق…
نرضى بحكم الله.
ولأن الله أرحم بنا من أنفسنا…
نطمئن.
ولأن اللقاء عند الله أجمل…
نصبر.
لكن يا رب…
لا تجعل صبرنا يعني أن ننساهم.
اجعل الصبر أن نشتاق إليهم دون اعتراض.
أن نبكيهم دون يأس.
أن ندعو لهم بدلًا من أن نناديهم.
—
اللهم إن أخي قد أصبح في ذمتك…
فاجعل ذمتك أرحم به من كل شيء.
اللهم آنس وحشته، ونوّر قبره، ووسّع مدخله، واغفر له، وارحمه رحمة لا تنقطع.
اللهم اجعل كل خير فعله في حياته نورًا يسعى بين يديه.
وكل يدٍ امتدت بالخير…
وكل قلبٍ أسعده…
وكل محتاجٍ أعانه…
وكل يتيمٍ كفله…
وكل معروفٍ صنعه ولم ينتظر عليه شكرًا…
اجعله له نورًا ورحمة ورفعة عندك.
اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده، واغفر لنا وله.
واجمعنا به يوم لا فراق بعده…
في جنةٍ لا موت فيها، ولا مرض، ولا وجع، ولا دموع.
—
يا أخي…
لن أقول إنني نسيتك.
فكيف ينسى الإنسان جزءًا من عمره؟
لن أقول إنني تجاوزت رحيلك.
فبعض الأحزان لا نتجاوزها…
بل نتعايش معها.
سأحملك في دعائي.
في ذاكرتي.
في كل حكاية قديمة.
في كل صورة.
وفي كل مرة يمر اسمك على قلبي فأشعر بتلك الغصة التي لا يعرفها إلا من فقد أخًا.
وسيظل في داخلي صوتٌ صغير يناديك…
رغم أنه يعرف أنك لن تجيب.
وسيظل القلب، مهما كبر به العمر، يتمنى المستحيل:
أن يعود بك الموت يومًا واحدًا فقط.
يومًا واحدًا…
نراك فيه.
نجلس معك.
نضحك.
نختلف.
ثم نقول لك قبل أن ترحل من جديد:
لا تذهب…
لكن الموت لا يعيد من أخذ.
ولهذا…
نرفع أيدينا إلى السماء بدلًا من أن نمدها إليك.
ونقول:
اللهم ارحم أخي…
فربما لا تصل أصواتنا إليه…
لكننا نؤمن أن الدعاء يصل.
—
وهكذا…
حين يموت الأخ، لا يُدفن وحده.
يُدفن معه جزء من طفولتنا، وشيء من ضحكاتنا، وذكريات لا يعرفها أحد سوانا.
لكن يبقى شيء واحد لا يستطيع الموت أن يأخذه:
الحب.
فالحب لا يُدفن.
والذكرى لا تُدفن.
والدعاء لا يُدفن.
والأخ الذي عاش في القلب…
لا يخرج منه حتى لو غاب الجسد.
رحم الله كل أخٍ رحل…
وكل أخٍ ترك خلفه قلبًا يناديه في صمت.
ورحم الله أولئك الذين عادوا إلى الله قبل أن نُخبرهم كم كنا نحبهم.
اللهم اجمعنا بمن فقدناهم في دارٍ لا فراق فيها.
فربما كان الفراق في الدنيا…
لكنه ليس النهاية.
صفاء الليثي





