💰 الذهب: 6,345 ج.م
سعر الذهب عيار 21
6,345 ج.م
كافة الأسعار ←
💱 الدولار: 55.56 ج.م
أسعار الصرف اليوم
🇺🇸 دولار أمريكي 55.56 ج.م
🇪🇺 يورو أوروبي 62.11 ج.م
🇸🇦 ريال سعودي 14.84 ج.م
الجدول بالكامل والحاسبة ←
🕌 الصلاة: الظهر
مواقيت الصلاة
الفجر 04:02
الظهر 11:55
العصر 15:31
المغرب 18:23
العشاء 19:44
☀️ القاهرة: 26°

طقس القاهرة الآن: صافي

طقس المحافظات ←
عاجل
⚡ مصر الآن
⚡ مصر الآن
⚡ مصر الآن
⚡ مصر الآن
⚡ مصر الآن
⚡ مصر الآن
⚡ مصر الآن
⚡ مصر الآن
⚡ مصر الآن
⚡ مصر الآن
⚡ مصر الآن
⚡ مصر الآن
⚡ مصر الآن
⚡ مصر الآن
⚡ مصر الآن
⚡ مصر الآن
مقالات

دوحة أبي صهيب.. مجلس تضوع بالعلم وترشح بـ الأدب

دوحة أبي صهيب.. مجلس تضوع بالعلم وترشح بـ الأدب

بقلم الدكتور خالد قباني

دوحة أبي صهيب.. مجلس تضوع بالعلم وترشح بـ الأدب

دعينا فما توانينا، وسئلنا فما تمنعنا، حين تكون الدعوة إلى بيت ليس كسائر البيوت، ومجلس ليس كسائر المجالس؛ إلى دوحة الشيخ أبي صهيب، حيث للبيوت أرواح، وللمجالس أفراح، وللرجال مواقف لا تُنسى.

هناك بيوت إذا دخلتها خُيّل إليك أنك في روضة من رياض العلم، ومحراب من محاريب الأدب؛ أبوابها مفتوحة كقلوب أصحابها، وأفنيتها رحبة كصدورهم، ودفؤها يسبق سلام أهلها، ومودتها تستقبلك قبل أن تطأ قدماك عتبة الدار.

 

دخلنا دخول المحب إلى حبيبه، لا دخول الغريب إلى مضيفه؛ فليس كل من استضافك أكرمك، وليس كل من أكرمك أسكنك قلبه.

وفي صدر المجلس، كان شيخنا وحبيبنا الجليل، الشيخ المنشاوي، بهيبته ووقاره، وعلمه وبيانه؛ وقار تهابه العيون، وبيان إذا نطق أشرقت المعاني، وإذا صمت نطق الوقار. وجهه نور، ولفظه نور، وحديثه نور على نور.

 

يجلس فتراه جبلًا في حلمه، ويتكلم فتحسبه بحرًا في علمه؛ جمع جلال الشيوخ إلى جمال الحكماء، وهيبة العلماء إلى سماحة الأدباء، فكان كبيرًا بقدره، راسخًا بعلمه، عذبًا بمنطقه، مهيبًا بتواضعه.

 

أما نحن، فكنا ضيوف المجلس: أنا الفقير إلى الله، وسعادة الدكتور وائل العمايرة، وسعادة الشيخ خليل العطار؛ التقينا على مائدة الأدب، لا على مائدة الطعام، وتزاحمت المعاني على ألسنتنا قبل أن تتزاحم الأيدي على الموائد.

وما إن استوى بنا المجلس، وطاب الحديث، وتآلفت الأرواح، حتى ألقى الشيخ خليل العطار سؤالًا من أسئلة الفقيه الحاذق، لا سؤال المتعنت؛ سؤالًا يبتغي به إجلاء الحكم، لا مجرد استعراض العلم. سأل عن الطلاق والمحلل، وعن الموانع والموجبات، والحدود والقيود، وما يترتب على ذلك من أحكام وآثار.

 

وهنا أخذ الشيخ المنشاوي بزمام الحديث، فأجاد حين أفاد، وأفاض حين أجاد، وأحسن البيان من غير إطناب ممل ولا اختصار مخل. كان حديثه يحيي الفهم، ويكشف الغامض، ويجلي المبهم، ويضع الأحكام في مواضعها، جامعًا بين الترهيب والترغيب، بعيدًا عن الإفراط والتفريط.

 

وتجلت في حديثه روعة المقابلة وجمال الطباق، إذ تتقابل المعاني فتزداد وضوحًا، وتتآلف الأضداد فتزداد الحكمة رسوخًا. ومن جميل بيانه ما استوقفنا من عبارات بليغة، حين وصف الطلاق بقوله:

 

«الطلاق ميثاق لا وثاق، وفراق لا شقاق، أصله إمساك بمعروف، وفرعه تسريح بإحسان».

 

ثم مضى في تصوير المعنى، موضحًا أن الطلاق ليس لعبة تُتخذ للتسلية أو وسيلة للعبث بالحقوق، وإنما هو حكم شرعي تترتب عليه مسؤوليات وتبعات. فقد يهدم بيتًا ويبني به بيتًا، وقد تنقطع به صلة وتُوصل به صلة، وليس العبرة في وقوع الفراق وحده، بل في إقامة العدل، وصيانة الحقوق، وحفظ الكرامة.

 

ثم انتقل الحديث إلى مسألة المحلل، فجاء التعبير عنها شديد الوقع، كاشفًا خطورة التحايل على أحكام الشريعة، واتخاذ ما شرعه الله ميثاقًا غليظًا وسيلة إلى غاية محرمة. فالشريعة لا تقر التحايل على مقاصدها، ولا تجعل الأحكام الشرعية أبوابًا للعبث أو الالتفاف على الحق.

 

وهكذا أبدع الشيخ في البيان، وأمتع في الحديث، وأصاب مواضع الداء، ووضع يده على مكمن العلة؛ فكنا بين يديه كالطير بين يدي مغرده، ننهل ولا نمل، ونصغي ولا نسأم، ونزداد شوقًا كلما ازداد حديثه عذوبة وعمقًا.

 

ثم شاركناه الحديث، أنا والدكتور العمايرة، فكان الرأي بالرأي، والحجة بالحجة، والبيان بالبيان؛ لا مصادرة للفكر، ولا مجاملة على حساب الحقيقة، بل حوارًا تتلاقح فيه الأفكار، وتتلاقى فيه المدارك، ويتسع فيه صدر العالم لرأي محاوره.

 

لم يكن حديثًا عابرًا، بل سجالًا أدبيًا عاطرًا، وغيثًا فكريًا ماطرًا، وحوارًا راقيًا تتبارى فيه العقول لا الأصوات، وتتسابق فيه الحجج لا الكلمات.

 

كان كلامًا يأخذ بالألباب، ويطرب الأسماع؛ سجعه كالدر المنظوم، ولفظه كالجمر المكنون، ومعناه يطرق أبواب العقل، فيوقظ الفكر ويستنهض الوجدان. حديث يضحك حينًا، ويبعث التأمل حينًا آخر، ويقرب البعيد، ويجلي الغامض، ويقوي الحجة، ويهذب العبارة.

 

ومع عذوبة الحديث وعمق المعاني، لم نشعر بمرور الوقت، ولم ندرك أن للساعة أقدامًا تمضي؛ فما هي إلا ساعة من نهار حسبناها لحظة، بينما حسبتها أرواحنا دهرًا من الأنس والصفاء.

 

حتى آن أوان الوداع، وما أصعب الوداع حين يكون الفراق عن مكان أحببناه، وأناس ألفناهم، ومجلس وجدنا فيه من دفء القلوب ما لا تمنحه قصور الدنيا.

ودعنا أبا صهيب، غير أن الوداع لم يكن نهاية اللقاء؛ ودعناه بأجسادنا، وبقيت قلوبنا هناك، معلقة على جدران بيته، ومستقرة في أركان مجلسه، تستعيد ضحكات الحاضرين، ورنين الكلمات، ودفء اللحظات.

 

غادرت أقدامنا وما غادرت أرواحنا، ومضت أجسادنا وما مضت أشواقنا. خرجنا من الدار، لكن الدار لم تخرج من قلوبنا، وابتعدنا عن المجلس، لكن صدى حديثه ظل قريبًا من مسامعنا.

 

فيا دار أبي صهيب، يا دار الود والوفاء، ويا دوحة وارفة الظلال، مليئة بالعطاء، ويا مجلسًا تتعانق فيه الأرواح قبل الأجساد؛ أنت دار وديار، وأنت نهار ومنار، فيك للعلم مقام، وللأدب زمام، وللمحبة أعذب الكلام.

 

زرناك ضيوفًا وخرجنا أوفياء، جئناك زائرين وعدنا محملين بجميل الذكرى، وطيب الأثر، وصدق المودة.

 

ولك في القلب مقام لا يُزاح، وفي الذاكرة ذكر لا يُمحى، وفي الوجدان عهد لا يُضام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى