#صفاء_الليثي تكتب..نبض القلم | خلف الشاشة… يسقط الوجه ويبقى القناع
#صفاء_الليثي تكتب..نبض القلم | خلف الشاشة… يسقط الوجه ويبقى القناع
…
كان الإنسان قديمًا يعرف الناس من أعينهم…
يجلس معهم، يسمع نبرة أصواتهم، يقرأ ملامح وجوههم، ويختبر صدقهم مع الأيام.
أما اليوم…
فأصبح يعرفهم من صورة شخصية، و سطرين في خانة التعريف، ورسالة تبدأ بكلمة: «مساء الخير».
رسالة واحدة قد تفتح باب صداقة…
وأخرى قد تفتح باب كارثة.
لم تعد المسافات هي التي تقرب الناس من بعضهم، بل الشاشات. ولم تعد الحقيقة هي أول ما نراه، بل الصورة التي أراد صاحبها أن يراها الآخرون.
حتى صرنا نعيش زمنًا يستطيع فيه الإنسان أن يبدل اسمه كما يبدل ملابسه، وأن يختار مهنة لم يمارسها يومًا، ويمنح نفسه لقبًا لم يحصل عليه، ثم ينتظر من الناس أن يصدقوه…
والأدهى أنهم يفعلون.
…
وهنا… يبدأ نبض القلم.
أخطر ما في مواقع التواصل أنها جمعت الصادق والكاذب في شاشة واحدة، وتركت لكل منهما الحرية أن يقدم نفسه كما يشاء.
هناك من يدخل إليك باسمه الحقيقي، وقلبه الحقيقي، ووجهه الذي يعرفه الجميع.
وهناك من يدخل مرتديًا قناعًا جديدًا، لا لأن وجهه قبيح، بل لأن الحقيقة لم تعد تكفيه.
في الأيام الأخيرة، تابعنا وقائع متتالية لأشخاص انتحلوا صفات لا تمت إليهم بصلة.
من ادعى أنه قاضٍ، وآخر قدم نفسه باعتباره صحفيًا، وغيرهم ممن اختاروا أن يعيشوا حياة ليست لهم.
ورغم اختلاف الوقائع، فإن الرسالة واحدة؛ حين يختلط اللقب بالحقيقة، يصبح الخداع أسهل، وتصبح الضحية أقرب مما نتخيل.
المؤلم أن بعض هؤلاء لا يسرق المال أولًا…
بل يسرق الثقة.
يعرف جيدًا أن الناس تحترم الزي، وتقدر اللقب، وتطمئن إلى صاحب المهنة المرموقة، فيصنع لنفسه شخصية كاملة، ثم يبدأ في توزيع الأدوار، وكأنه بطل فيلم لا يخشى أن يسقط الستار.
قاضٍ لم يقف يومًا فوق منصة العدالة.
وضابط لم يعرف معنى الانضباط.
وصحفي لم يحمل رسالة الكلمة، لكنه حمل اسمها.
وطبيب لا يعرف من الطب إلا المعطف الأبيض الذي استعاره ليلتقط صورة يخدع بها الآخرين.
كلهم يختلفون في التفاصيل…
لكنهم يتشابهون في شيء واحد.
أنهم فقدوا الرضا عن حقيقتهم، فقرروا أن يعيشوا داخل كذبة.
والكذبة، مهما كانت متقنة، تظل تبحث عن لحظة سقوطها.
ولأن مواقع التواصل لا تسأل كثيرًا، وجد هؤلاء فيها أرضًا خصبة.
يكفي أن تختار صورة أنيقة، وأن تكتب سيرة ذاتية براقة، وأن تتقن الحديث…
ثم تبدأ رحلة اصطياد القلوب.
كم من فتاة وثقت في رجل ظنته صاحب مكانة، فاكتشفت أن المكانة كانت مجرد كلمات مكتوبة على شاشة.
وكم من شاب صدق حكاية فتاة رسمت لنفسها حياة لا تعرف عنها شيئًا، ثم اكتشف أن الحقيقة كانت أبعد ما تكون عن الخيال الذي عاش فيه.
إن أخطر ما يسرقه منتحل الشخصية ليس المال…
فالمال قد يعود.
وليس الوقت…
فالوقت يمضي على الجميع.
إنما يسرق شيئًا إذا انكسر، يصعب ترميمه.
الثقة.
وحين تفقد المجتمعات ثقتها في الناس، يصبح الصادق متهمًا حتى يثبت العكس، ويدفع الشرفاء ثمنًا لم يرتكبوه، لأن الكاذبين سبقوهم إلى المنصة.
والمفارقة المؤلمة أن التكنولوجيا نفسها بريئة.
فالسكين قد يقطع الخبز، وقد يقتل إنسانًا.
والفرق ليس في السكين…
بل في اليد التي تمسك بها.
وكذلك مواقع التواصل.
ليست هي من صنعت الكذب، لكنها منحت الكاذب مسرحًا أوسع، وجمهورًا أكبر، وفرصة أسرع للوصول إلى ضحاياه.
ولعل أكثر ما يثير الدهشة أن بعض الناس لم يعد ينتحل وظيفة فقط…
بل ينتحل أخلاقًا أيضًا.
يتحدث عن الشرف وهو لا يعرفه.
ويكتب عن الصدق وهو يعيش على الكذب.
ويعظ الناس بالأمانة، بينما يبني حياته على الخداع.
وهنا يصبح السؤال أكبر من مجرد انتحال صفة.
إنه سؤال عن زمن اختلطت فيه الأصوات، حتى أصبح القناع أكثر شهرة من الوجه الحقيقي.
ومع ذلك…
يبقى للحقيقة عادة لا تتغير.
قد تتأخر…
لكنها لا تغيب.
وقد يصمد القناع أيامًا، أو أشهرًا، أو حتى سنوات.
لكنه لا يستطيع أن يعيش إلى الأبد.
فالكذب يحتاج إلى ذاكرة قوية، أما الحقيقة فلا تحتاج إلا إلى صاحبها.
وفي النهاية، لا يسقط منتحل الشخصية لأنه ارتكب خطأً واحدًا…
بل لأنه ينسى أن الكذبة، مهما كبرت، لا تستطيع أن تحفظ نفسها إلى الأبد.
ويبقى السؤال الذي أتركه لكل قارئ، قبل أن يضغط زر «قبول طلب الصداقة»، أو يمنح ثقته لمن لا يعرفه:
كم وجهًا حقيقيًا ما زال يسير بيننا… وكم قناعًا أصبح يتقن الابتسام أكثر من أصحابه؟
ذلك…
هو نبض القلم.





